على ما دللنا عليه في باب الإرادة ، حيث بينا أن الكلام إنما يكون أمرا وخطابا لوقوعه على بعض الوجوه بقصد القاصد إليه .
على أنه لو كان قديما لما صح فيه الزيادة والنقصان ، لأن هذا المعنى إنما يصح في المحدث الّذي يستحسن ويقدر محدثه على أمثاله . ولو لم يصح ذلك فيه لأدّى إلى ألا يوصف بالقدرة على أن يكلف غير من كلفه من الخلق ، وأن يريد من كلفه على تكليفه تكليفا سواه . وهذا يوجب تعجيزه تعالى ، ولا خلاف من الأمة في أن هذا القول كفر من قائله .
وقد بيّنا في باب الإرادة أن هذا الكلام لا يرجع علينا في العلم بما يغنى عن إعادة القول فيه .
وما روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من قوله : « كان اللّه ولا شيء ، ثم خلق الذّكر » . وقوله : « ما خلق اللّه عز وجل من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي في البقرة » / يدل على حدوث القرآن .
وما روى أنه قال : « لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدوّ مخافة أن تناله أيديهم » يدل على حدوثه .
وما روى أنه تعالى خلق التوراة بيده - إن صح - فهو يدل على حدوث كلامه . ويحمل ذلك على أنه ذكر « اليد » تأكيدا في إضافته إلى أنه هو الّذي تولى إحداثه بحسب ما علمه من المصالح ، ولم يكل الأمر فيه إلى غيره .
على أنه لا خلاف بين الصحابة أن القرآن فعل اللّه سبحانه ، وأنه أظهره على رسوله صلى اللّه عليه لينبئه به من غيره ، ويدل به على نبوته . وإنما كانت الكفار تقول : إنه صلى اللّه عليه هو المحدث للقرآن فلا يدل على ما يدعيه من كونه رسولا للّه تعالى .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 91
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٩١