وأما أن يدعى على أحد منهم أنه كان يدعى أنه ليس بفعل لأحد فمحال ، وما ثبت عن الأمة أنهم يقولون : « رب طه ، وياسين ، والقرآن العظيم » . يدل على حدوثه ، لأن رب الشيء مالكه ، والمملوك لا يكون إلا بما يصح التصرف فيه بإحداثه أو إحداث غيره فيه .
على أن الناس اختلفوا في القرآن ، فمنهم من قال : إنه نفسه كلامه تعالى ، وهذا يوجب حدوثه في المحال التي يوجد فيها ، ويوجب حدوثه ، ويلزم فيه مذهب النصارى في التحدي وغيره .
ومنهم من قال : إنه حكاية لكلامه . وهذا يوجب كون المحكى مثله ؛ لأن الشيء لا يجوز أن يحكى بالكلام وليس بمثل له ، ولولا أن ذلك كذلك لصح أن يكون الكلام حكاية لذات القديم تعالى . وهذا يوجب حدوثه أيضا .
/ فأمّا حكاية كلام الإنسان بالفارسية كلام غيره بالعربية فمجاز ، لأن حقيقة الحكاية ما قدّمناه . ولو كان حقيقة لم يعترض الكلام ، لأنه إنما تحكى بالفارسية العربية إذا تواضع الناس فيها على معنى واحد ، وذلك يوجب فيه الحدوث أيضا . على أن وجوب كون كلام اللّه تعالى مفيدا يقتضي حدوثه ؛ لأن الكلام لا يكون مفيدا إلا وقد تقدّمت المواضعة عليه ، وإلا كانت حاله وحال سائر الحوادث لا تختلف .
يبين ذلك أن بقاء الشيء يمنع من صحة المواضعة عليه واستمرار عدمه كمثل .
فيجب أن يكون من شرط صحة المواضعة عليه أن يكون جاريا على وجه مخصوص ، على ما بيّناه في أصول الفقه . فإذا صح ذلك وتعلقت الفائدة بالمواضعة ، وكان من شرطها كون الشيء حادثا ، فيجب كون القرآن محدثا . على أنه إنما يجوز كونه عربيا من حيث ثبت أن العرب تكلمت به أولا على الوجه الّذي تواضعت عليه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 92
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٩٢