على أنه تعالى قال :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً
« 1 » وقال :
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
« 2 » . فلا يجوز أن يوصف بذلك إلا وهو محدث ؛ لأن وصف الشيء بأنه حديث أبلغ من وصفه بأنه محدث في الدلالة على وجوده بعد أن لم يكن . وقوله تعالى :
الر . كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ
« 3 » يدل على حدوثه ؛ لأن إحكام الشيء يقتضي حدوثه على وجه مخصوص . وكذلك وصفه سبحانه القرآن بأنه محكم متشابه يقتضي منه حدوثه . وكذلك وصفه بأنه مفصل وموصل ، وبأنه جعله عربيا ، وأنه جعله هدى للناس وبيانا وشفاء ودلالة على نبوّة نبيه صلى اللّه عليه وسلم ومعجزا ، إلى كل ما شاكله من صفاته الجارية هذا المجرى ، لأنها أجمع تقتضى حدوثه على وجه مخصوص ليصح كونه بهذه الصفات .
وكل ما ورد في كتاب اللّه عز وجل مما يدل على أن اللّه تعالى يغير القرآن أو بعضه ، أو يقدر عليه ، أو يبدله بغيره ، أو يقدر على مثله ، أو يأتي بمثله ، أو يجتزئ منه ، كقوله :
لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً
« 4 » الآية . وقوله تعالى :
وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ
. « 5 » وقوله عز وجل :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
« 6 » إلى / ما شاكلها ، يدل على حدوثه ؛ لأن كل هذه الصفات تستحيل على القديم تعالى ، وما ثبت من تحديه العرب وتقريعه صلى اللّه عليه إياهم بالعجز عن مثله يقتضي حدوثه ؛ لأن التحدي بالقديم يستحيل ، ولذلك قال :
فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ
« 7 » لأنه لا يجوز أن يقرعهم بالعجز عما يستحيل وقوعه من كل قادر قديم ومحدث ، لأن ذلك إنما يصح فيما تتفاضل أحوال القادرين فيه ويتقدم بعضهم بعضا فيه .
هامش
( 1 ) سورة المزمل : 23 .
( 2 ) سورة الأعراف : 185 .
( 3 ) سورة هود : 1 .
( 4 ) سورة الكهف : 109 .
( 5 ) سورة لقمان : 27 .
( 6 ) سورة البقرة : 106 .
( 7 ) الطور : 34 .