تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
ولا يجب ، إذا لم يصح على القرآن الإتيان ، أن يصرف إلى أن المراد به غيره . بل يجب حمله على أنه وصف بذلك مجازا كما يقول القائل ، وقد وردت عليه رسالة غيره : جاءني كلام فلان وخطابه . فإن قال : إذا كان الكلام لا يبقى فكيف يصح ذلك فيه ؟ قيل له : إن حمل الأمر على أن الّذي أتاهم حكاية كلامه ، فيجب أن يكون كلامه أيضا حادثا ، لأن القديم لا يحكى بالمحدث ، من حيث وجب كون الحكاية مثل المحكىّ ، على ما نبينه . وإن حمل الأمر على كلامه تعالى فصحيح ، لأنه لا يمتنع أن يحدثه سبحانه بحيث يسمع ، فيوصف بأنه أتاهم كلامه تعالى . فعلى الوجوه كلها الدلالة مستقيمة . وقوله جل وعز :
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى
« 1 » يوجب حدوثه ؛ لأن ما تقدمه غيره لا يكون قديما . وليس لهم أن يحملوا ذلك على أن المراد به العبارة عن كلام اللّه عز وجل ، ويزعموا أنّ ذلك محدث ، وأن الكلام القديم سواه . وذلك أنا قد بينا أنه لا يصح إثبات كلام سوى هذا الجنس المعقول ، فيجب إذن حمل الكلام على ظاهره . وقد دل تعالى على حدوثه بقوله :
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا
« 2 » فصرح بأن أمره مفعول . وقال :
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ
« 3 » . والمدبّر / لا يكون إلا حادثا . وقال تعالى :
وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً
« 4 » . والمقدور إذا وصف به الموجود فإنما يعنى به أنه وجد عن قدرة قادر . ويحتمل أن يريد به أن الأمر كان قبل إحداثه إياه قدرا مقدورا . وكل ذلك يبين حدوثه .
هامش
( 1 ) سورة هود : 17 . ( 2 ) سورة الأحزاب : 37 . ( 3 ) سورة السجدة : 5 . ( 4 ) سورة الأحزاب : 38 .