على أنه إذا جاز كون القرآن قديما مع كونه أشياء كثيرة مختلفة متجزئة متبعضة ، فما الّذي يمنع من كون الإنسان / على ما يختص به من التركيب والتصوير قديما .
على أنه سبحانه قد ثبت كونه قادرا على إحداث الكلام وإيجاده ؛ فلو أحدث ما يقدر عليه ما كان يختص إلا لمثل صفة القرآن ؛ فيجب كون القرآن لنفسه محدثا ، وما قدّمناه من استحالة كون متكلم لم يزل يوجب كون القرآن محدثا أيضا .
على أنه قد ثبت أن القرآن غير اللّه تعالى ، لأنه يختص بصفات تستحيل على اللّه ؛ لأنه متجزئ « 1 » متبعض ؛ له ثلث وربع ؛ مدرك مسموع ؛ محكم مفصل ، أمر ونهى ، ووعد ووعيد . وقد تعبدنا بتلاوته وحفظه ؛ وكل ذلك يستحيل عليه تعالى ؛ وما يصح على القديم سبحانه من كونه قادرا عالما حيا سميعا بصيرا يستحيل عليه ؛ وذلك يوجب كونه مخالفا للقديم عز وجل ؛ فبأن يكون غير إله أولى . وإذا صح ذلك فيه وجب كونه محدثا لأمور :
منها : أنه لو كان قديما لوجب كونه مثلا له تعالى ؛ لأن القديم قديم لنفسه . وما شاركه في هذه الصفة فيجب كونه مثلا له في سائر ما يختص به من الصفات ؛ وهذا يوجب كونه إلها . وعلى هذه الطريقة قال شيوخنا رحمهم اللّه :
إن كلامه تعالى لو كان قديما لوجب كونه إلها .
وقد بيّنا في باب الصفات أن القديم قديم لنفسه ؛ وأنّ ما شاركه في هذه الصفة فيجب كونه مشاركا له في سائر الصفات الذاتية .
ودللنا على أن كون الشيء مثلا / لغيره في صفة نفسه ومخالفا له من وجه آخر يستحيل ؛ فإذا صح ذلك ثبت أن كونه قديما يقتضي كونه مشاركا للّه عز وجل
هامش
( 1 ) في الأصل : « متجز » .