أصل الشر ومن يقع منه ما يتأذى به ، وذلك ضد الحكمة . وإن وقع ذلك منه على طريق السهو وصح أن يسهو أو يغلط ، صح أن يقع الشر منه أيضا ، ولم يأمن ، في جميع ما خلقه ، أنه وقع منه لسهو وغلط . وهلا صحّ على هذا القول أن تكون سائر الشرور من قبله « 1 » وقع على وجه الغلط منه ؟
وما ذكروه في دخول إبليس الدنيا وقتاله لربّ العزة إلى آخر القصة فمن الخرافات الّذي يجب أن لا نتشاغل به . وكيف يصح أن يكون ، جلّ وعزّ ، مع كونه قديما قادرا لنفسه يؤذيه غيره ويحاربه على وجه لا يمكنه التخلص منه ؟
ولو صحّ أن يكون قديما / ويحاصر ، لصح أن يصلب « 2 » على ما يذهب إليه بعض النصارى . وكيف يصح أن يتخلص منه في الثاني ولما تخلّص منه في الأول مع قدرته على التخلص منه ؟ وكيف يمنعه عند الشرط من التعدي عليه ، ولا يمنعه قبل ذلك ؟ وكيف يصح أن يضعف إبليس عند الشرط ، ولا يصح أن يضعف قبله ؟ وكيف يصح للعدلين أن يعدلا به أو يمنعاه من نكث الشرط ، ولم يصح من القديم تعالى منعه في الابتداء ؟ وكيف يصح ما ادعوه من تولد الجسم ووجود أبى البشر من أصل الريباسة « 3 » ؟ وكيف يصح أن يحصر القديم ويصير كالمحبوس إلى وقت حصول الشرط ؟ وكل ذلك يؤيد فساد تعلقهم بما هذوا به .
وأما مكالمتهم في أنبيائهم وسائر من يدعونه مبعوثا ، فلا وجه له ، لأن الّذي يختصون به ما بيّنا فساده . والقول في ذلك يذكر في باب النبوات ويبين القول فيه .
وهذه جملة تبطل ما تعلقوا به . والحمد للّه كثيرا .
هامش
( 1 ) قبله : فعله خ .
( 2 ) يصلب : يغلب م .
( 3 ) الريباسة : الرئاسة م ، الرساسة خ . والريباسة واحدة الريباس وهو نبات . راجع ما سبق عند ص 72