ودفع المضار فهو كالجاحد للضرورات ؛ لأن العلم بحسن ما هذه حاله ضروري في مواضع .
فقد بطل بذلك توصلهم بما وجدوه من الألم واللذة إلى إثبات فاعلين ؛ لأنا قد بينا أنهما قد يشتركان في كونهما خيرا أو شرا ؛ فيجب أن لا يمتنع أن يكون فاعلهما واحدا حكيما يختارهما لعلمه بحسنهما ، وإن كان القبيح من الأمرين جميعا لا يجوز أن يختاره القديم سبحانه ، وإنما يصح وقوع ذلك من الواحد منا .
وليس لهم أن يقولوا إن المراعى في قبح الألم هو نفور الطباع منه وإن هذا هو الّذي يفيده وصفنا له بأنه قبيح ، فيجب أن نثبت له فاعلا غير فاعل اللذة ؛ وذلك لأن القبيح بمعنى كون الطبع نافرا منه لا يوجب كون فاعله « 1 » شريرا ولا مستحقا للذم ؛ وإنما يقال في ذلك إنه قبيح من حيث شاكل القبيح في القول في أنه قد يتجنب ، وإلا فالقبيح في الحقيقة هو ما يقبح في العقل ؛ ومتى علمه العقلاء على وجه ، علموا استحقاق فاعله الذم . وأنت تجد ذلك مشروحا في باب العدل .
على أن المجوس تعترف بالتكليف وأنه جل وعز يعبد به ؛ وذلك يوجب حسن الآلام للمنافع ؛ لأن إلزام الفعل الشاق بمنزلة إيجاب الأمر الّذي يشق تحمله .
فإذا حسن أحدهما للنفع ، حسن الآخر له أيضا .
وما كلمنا به الثنوية في إبطال القول بأصلين قديمين وبينا به أن من حق القديم أن يكون مثلا للقديم فيما يرجع إلى ذاته وطبعه وفيما يصح منه وأن ذلك يوجب أن ما صح من أحدهما يصح من الآخر ، يبطل / تعلقهم بإثبات شيطان قديم مع اللّه .
فأما من قال منهم بالتجسيم فيهما أو في القديم جل وعز ، فما تكلمنا به على
هامش
( 1 ) فاعله : فاعلا له م .