واعلم أن أكثر ما حكيناه من مذاهبهم يبطل بما أفسدنا به مذهب الثنوية ، لأن طريقهم في أن الآلام كلها قبيحة والملاذ حسنة وأنهما لا يقعان من فاعل واحد كطريقة الثنوية ؛ وهذا الّذي دعاهم إلى إثبات الشيطان قديما مع اللّه أو / حادثا مضادّ اللّه ومنازعا له . فما أبطلنا به قولهم في هذا الباب وبيّنا به أن اللذة والألم لا تتضادان به ، ولا الخير ولا الشر ، وأن كلا الأمرين لا يمتنع وقوعهما من فاعل واحد ، وأن الألم لا يجب كونه شرا دون أن يكون قبيحا ، واللذة لا يجب كونها خيرا دون أن تكون حسنة ، وأن اللذة قد تكون قبيحة كما أن الألم يكون حسنا ، يبطل قول المجوس ، فلا وجه لإعادة القول فيه .
ونحن نبين من بعد أن في المضار ما يحسن ويجوز وقوعه من القديم تعالى .
ونبين أن سبيله سبيل الآلام الواقعة منا للنفع ودفع الضرر ، فتعلقهم بأن هذه الآلام من العمى والزمانة والأمراض والجوائح الطارئة على الأموال لا يصح أن تكون من فعل حكيم خير ، فيجب إثبات شرير يكون فاعلا لها ، يبطل بما نجده في الشاهد من حسن تحمل الآلام للمنافع ، والامتناع من اللذات للنفع ، ووجوب تجنب الملاذ لخوف الضرر في العاقبة . وليس لهم أن يقولوا إن الّذي يحسن منا هو تحمل آلام يسيرة للمنافع ، فأما مثل الزمانة والعمى إلى ما شاكله ، فذلك مما لا يحسن من أحدنا تحمله للنفع ، فيجب أن يعلم أن ذلك ليس من فعل حكيم ، وذلك لأن الواحد منا قد يلحق بعض أعضائه أكلة أو لسعة الحية في بعض أطرافه ، فيرى من الصلاح قطع ذلك لكي لا يتعدى إلى جسمه ، فيحسن منه قطعه . فقد صح أن كثير الألم كيسيره في أنه قد يتحمل للمنفعة ودفع المضرة .
وإنما لا يحسن من أحدنا قتل نفسه أو ولده ، لأنه مما لا يصح أن يبتغى به النفع .
لما فيه من إبطال ما معه تصح المنافع . ومتى دفع / دافع حسن الآلام للمنافع
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 73
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٣