بوجداننا الحمرة والصفرة والخضرة ، فإن جعلوا ذلك لاختلاط النور بالظلام قلب ذلك عليهم في السواد والبياض . وقد علم في « 1 » المسك مع سواده طيب الرائحة ، فإن كان ذلك لغلبة النور ، فهلا حصل أبيض لغلبة النور ؟ وما ذكرناه عنهم من بعد ، فلا شبهة فيه حتى نتكلم عليه .
وأما ما ذهب إليه المرقونية من الكون الثالث وأنه متوسط دون النور والظلمة ودون اللّه والشيطان مع قولهم إن الخير من النور والشر من الظلمة ، فلا حاجة بهم إلى إثباته ، لأنه لا فعل « 2 » سواهما . فإن قالوا : نثبته من حيث وجدنا فعلا ليس بخير ولا شر ، لكنه يؤدى إلى ذلك ، قيل لهم : فيجب أن تثبتوا رابعا ، لأن سبب الخير في أنه يخالف سبب الشر كالخير والشر أنفسهما . وهذا يوجب إثبات رابع . فإن قالوا : نثبته لأنه يدبّرهما ، قيل لهم : إذا كانا يدبّران ويفعلان الخير والشر ، فلم صار بأن يكون مدبّرا لهما أولى من أن يكونا مدبّرين له ؟
على أن من قولهم إن الظلمة تمازج هذا الثالث لأنه سليم / وديع ، ويبنى من ذلك المزاج العالم لينتفع بمنافعه ، وإن النور يخلصه ، فكيف يقال إنه المدبّر لهما مع هذا القول ؟ فإن قالوا : إنما نثبت الثالث ، لأنه يعدل بينهما ، قيل له :
ما الّذي أحوجهما « 3 » إلى المعدّل ؟ فإن قالوا : اختلافهما ، قيل لهم : فخبرونا عن هذا المعدّل : أليس هو مخالف لهما ؟ لأنه لا يمكن أن يقال إنه من جنسهما مع اختلافهما ، أو من جنس أحدهما ، لأن ذلك يوجب كونه من جوهر ذلك
هامش
( 1 ) في : من حال خ .
( 2 ) فعل : فعال م .
( 3 ) أحوجهما : أخرجهما م .