لمضادتها النور الّذي هو موجود وقديم ، ويجب أن لا تكون قائمة بذاتها ، ولا ذاهبة فيما لا نهاية له ، ولا محسوسة كالنور لكونها ضدّا للنور .
على أنه يجب على قول الديصانية أن لا يصح في الحي منا أن يريد الشر ، لأن عندهم أن النور لا يصح ذلك عليه لأنه خير والظلمة موات لا يصح كونها مريدة . وفي وجودنا ذلك دلالة على فساد قولهم .
وكذلك يجب على قولهم أن لا يكون في العالم جاهل ولا مفكر في الحيل والتدبير الفاسد ولا نادم على الخير ، لأن ذلك لا يصح إلا على الحي ، والظلمة ليست بحية فتختص بذلك ، والنور خيّر لا يصح ذلك عليه . ومما ألزمناه الثنوية يبطل قولهم أيضا ، فلا وجه لإعادته .
وأما قولهم إن إدراك النور إدراك متفق ، فسمعه هو بصره وسائر حواسه ، واللون هو الطعم وهو الرائحة وإنما وجده لونا لأن الظلمة خالطته ضربا من المخالطة ، مما نعلم بطلانه بأول العقل ، لأنا نعلم الفصل بين الإدراكات بالحواس ونعلم مفارقة اللون للطعم والرائحة ، ونعلم اختلاف أجناسها ، وأن الواحد منها لا تتغير حاله بمجاورة الآخر له . ولا فرق بين قولهم إن اللون هو الطعم ، وإنما يختلفان بغلبة الظن ، وبين من قال في الاجتماع إنه الافتراق وفي الحركة إنها السكون وفي الوجود إنه العدم ، وفساد ذلك ظاهر .
وقولهم / إن لون النور هو البياض ، ولون الظلمة هو السواد صحيح ، لأن ذلك يعلم بالحسّ ، إلا أن قولهم إن كل بياض محبوب وكل سواد مكروه فغلط ، لأن في البياض ما يكره كبياض شعر اللحية وبياض البرص وكبياض العين إذا ذهبت ، وكذلك في السواد ما يحب كسواد اللحية وسواد الحدق . وبعد ، فإن قولهم « لا شيء إلا نور وظلمة ، ولون النور بياض ولون الظلمة سواد » يبطل
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 67
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٦٧