الروح ، على ما حكيناه ، فمن عجيب أمرهم أنهم جعلوا أحد الأبدان النور ، ومتى كان أحد أبدانه ، لم يبق هناك قسم آخر ، فكيف يصح أن يقسم الشيء إلى نفسه ؟ فيقال : أبدان النور أربعة : النار والنور والريح والماء . وكذلك القول في تقسيمهم أبدان الظلمة وإدخالهم في جملة القسمة نفس الظلمة . على أن الّذي ذكروه لا فائدة فيه إلا تفصيل أنواع الأجسام وضروبها ؛ فما في ذلك من الدلالة على ما ادعوه من أصلين قديمين وما ادعوا أنه روح أبدان النور وهو النسيم ، إن كانوا خصوه بهذه الصفة لأنه المصرّف للأبدان ؛ فيجب أن يكون هو الحي دونها ؛ وفي ذلك إبطال قولهم بأن النور كله حىّ فعّال خيّر ؛ وإلا فإن كان حكم الأبدان والروح سواء في جميع ذلك ، فما الوجه في هذا التفصيل ؟ وكذلك القول في أبدان الظلمة وروحها الّذي هو الدخان .
على أن قولهم بأن أبدان النور يخالف بعضها بعضا ، وكذلك أبدان الظلمة يبطل أصل قولهم « 1 » في الأصلين ؛ لأنه يلزمهم إثبات عشرة أصول : ثمانية أبدان وروحين . وفي هذا إبطال القول بالتثنية « 2 » . وكيف يصح أن يقولوا بالأصلين لاختلافهما ولا يجعلوا الأبدان أصولا مع اختلافهما ، وإن كانت غير مختلفة ؛ فلم صارت بأن تكون مقسومة إلى خمسة أولى من أكثر منه أو أقل ؟ وهلا قسموه إلى أربعة على ما يقوله / أصحاب الطبائع ؟ وهلا أدخلوا في جملة الأقسام الثلج والهواء ؟ وهلا عدوا أنواع الحيوان التي تختلف أحكامها ؟ ولم صاروا بأن يجعلوا روح النور والنسيم أولى من النار ؟ ولم صاروا بأن يجعلوا روح الظلمة الحريق أولى من النار ؟
هامش
( 1 ) يبطل أصل قولهم : يتصل أيضا بقولهم م .
( 2 ) القول بالتثنية : التثنية م .