على أنهم لم يشاهدوا ما لا نهاية له من النور والظلمة ، فكيف يصح لهم إثباتهما غير متناهيين ؛ ومن طريقتهم الاستدلال بما وجدوه .
على أنه قد حكى عن بعضهم أنهم قالوا بتناهيهما من سائر الجهات وزعموا أنه ينتهى إلى غير شيء / فقول من قال لا يتناهى لا يصح بالدعوى . وتعلقهم بأنه لو تناهى لوجب أن يتناهى إلى مكان ، ولا بد من أن يكون هناك نور أو ظلمة ، لا يصح ، لأنه لا يمتنع أن يتناهى بأن ينقطع ، وإن لم يكن وراء انقطاعه ما يكون جوهرا أو غيره على ما يقولونه في العالم . ولولا أن ذلك كذلك لم يصح القول بتناهى الحوادث ، لأن الجواهر إذا لم تتناه ، فكذلك الأعراض الحالة فيها ، وفي ثبوت تناهى الحوادث كلها دلالة على بطلان هذا القول
وأما قولهم إن النور لم يزل فوق الظلمة أو إلى جانبها على حسب ما حكيناه من خلافهم ، فهو فرع على مقالتهم ، وفساده يقتضي فساد ما قالوه فيه ؛ ولو ثبت كونهما قديمين ، لم يصح فيهما شيء مما قالوه ، لأنه كان لا يكون بأن يكون مماسّا له ومجاورا من وجه أولى من وجه ، وكان لا يكون أحد الأمرين بأن يكون هو السابق أولى من الآخر سيما على طريقتهم في نفى الأعراض .
وقد اعتل بعضهم في التباين بأن قال : وجدت النور يطلب الخلاص فلو كان لم يزل غير متخلص لم يطلب خلاف ما لم يزل عليه . وهذا غلط ؛ لأن في الأشياء ما يطلب المزاج فيجب أن يكون لم يزل ممازجا على هذه العلة . على أن عندهم أن الظلمة طلبت المزاج بالنور قبل أن تمازجه ؛ وهذا يوجب أن تكون لم تزل ممازجة
وقال بعضهم : وجدنا الصافي يطلب العلو ، والكدر يطلب السفل ، فعلمنا
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 57
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٧