وهذا يؤدى إلى أمرين فاسدين : أحدهما أنه يوجب أن يكون الواحد منا ذاكرا لسائر أحواله « 1 » . وعلى هذا الوجه ألزمهم شيوخنا ، رحمهم اللّه ، أن يكون النور الممازج يذكر من نفسه حال خلاصه وحيث كان مباينا غير مأسور كما يذكر المحبوس في السجن الوقت الّذي لم يكن محبوسا فيه ، ويفصل بين حاله الآن وبين حاله من قبل ، على منهاج ما ألزموا أصحاب التناسخ على قولهم بأن الطفل كان مكلّفا من قبل ثم نسخ . والوجه الثاني أنه يلزمهم نفى الموت / ومن قولهم أن الظلمة مميتة ضارة . وقد علمنا أيضا من غير جهة موافقتهم حدوث الموت وخروج الحي من كونه حيا ، فيقال لهم : خبرونا عن هذا الموت . هو « 2 » من فعل النور في نفسه ، أو في نور غيره ، أو في ظلمة هو ، أو من فعل الظلمة في نفسها ، أو في ظلمة أخرى ، أو في النور ؟ لأنه لا يمكنهم أن يقولوا : إنهما يفعلانه في شيء ليس بنور ولا ظلمة ؛ فقد علم أن الموت تفوت معه اللذات أجمع ، فلا يمكن أن يقال إنه خير . فيجب أن يكون إن فعله النور أن يكون فاعلا للشر .
وإن قالوا : إنه كما يفوت معه اللذة فكذلك يفوت معه الألم والغم ، قيل لهم :
فيجب أن يكون خيرا شرا وأن لا يصح أن يفعله نور ولا ظلمة . وكذلك إن قالوا : إن الظلمة تفعله ؛ فيلزمهم على كل حال أن يكون النور قد مات أو الظلمة قد ماتت ، وفي ذلك نقض قولهم إنهما حيّان لطبعهما . وإذا جاز ذلك فيهما جاز خروجهما من جوهرهما وطبعهما ، وذلك يهدم القول بالتثنية .
وبعد فإنه يلزمهم إذا وصفوا الظلمة بأنها حية أن يصفوها بصفة الإدراك والعلم والقدرة « 3 » ، ولولا ذلك لما صح منهم أن يصفوها بالفعل وبأنها علمت بالنور وأحواله فطلبت التشبث به ومحاربته ، على ما يهذون به ، فيقال لهم : إذا
هامش
( 1 ) أحواله : أجزائه م .
( 2 ) هو : - م .
( 3 ) والقدرة : - م .