فإن قالوا : إن التائب جزء من الظلام غير القاتل ، والتوبة قبيحة منه ، قيل له :
إن القاتل يعلم من نفسه في حال القتل أنه القاصد إلى القتل ، ووقع ذلك بحسب قصده . ويعلم في الثاني أنه النادم ، وإذا كان الحال هذه ، فلا فرق بين من قال إن القاتل لا يصح أن يكون تائبا وبين من قال إن المتحرك لا يصح أن يكون ساكنا في حال أخرى ونفى كون الشيء الواحد قائما قاعدا مجتمعا مفترقا في حالين .
وبعد ، فإنه يجب إذا قال القائل : إني تائب من كل قتل كان منى ومن كل فساد أن يكون ذلك من فعل القاتل لا محالة ، لأنه لم يعين ما تاب منه ، فلا يصح أن يعترض فيه بما تقدم . فإن قالوا : إن التوبة وقعت من القاتل في الحقيقة وهو النور ، فقد أضافوا القتل إليه ، وذلك ينقض مذهبهم . وإن قالوا : إنه الظلمة ، فقد أضافوا التوبة إليها ، وفي ذلك نقض المذهب .
ومما سئلوا عنه أن قيل لهم : خبرونا عن المعتذر من جرمه ، من هو ؟ فإن قالوا : غير المجرم ، كلموا فيه بما قدمناه . وإن قالوا : إنه المجرم ، لم يخل من أن يكون النور ؛ فذلك يوجب إضافة الجرم إليه ، أو الظلمة وذلك يوجب إضافة الاعتذار إليها . وفي ذلك نقض مذهبهم . وقد قال بعضهم : إن المعتذر غير المجرم وهو بمنزلة من جنى غلامه على غيره فاعتذر إلى المجنى عليه من جناية غلامه أو بمنزلة الراكب للدابة إذا رمحت رجلا فيعتذر إليه من ذلك أو بمنزلة اعتذار الوالد من جناية ولده ، فيقال لهم : إن من ذكرتموه / ليس يعتذر من فعل غيره في الحقيقة وإنما يتوجع مما لحق المجنى عليه ويورد عليه ما هو بصورة الاعتذار تطييبا لنفسه . وكل عاقل يفصل بين هذا الصنيع وبين الاعتذار في الحقيقة . وبعد ، فإن هؤلاء إنما حسن ذلك منهم ؛ لأن تلك الجناية قد أتيت عن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 38
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨