على جهة الاشتقاق كما يوصف بأنه محرك مسكن بفعل الحركة والسكون في محلين .
فإن قيل : فهذا يوجب أن يصفوه بأنه عادل جائر : فإذا استحال ذلك ، بطل ما قلتموه ، قيل له : إنه لا يمتنع وصفه بذلك على جهة الاشتقاق على ما قدمناه .
على أن الثنوية لا يصح تعلقها بذلك ؛ لأنها إن كانت لأجل ذلك تمنع من كون الخير والشر واقعا من واحد ، فيجب أن تجيز وقوعه منه في حالين ، وإن منعته في حالة واحدة . وهذا في أنه يبطل قولهم كالقول بصحة ذلك منه في حالة واحدة .
فإن / قيل : فيجب على هذا أن يستحق الفاعل الواحد الذم والمدح في وقت واحد ؛ وإذا استحال ذلك ، علم استحالة وقوع الخير والشر من فاعل واحد ، قيل له : متى فعل الخير والشر ، فإن استويا في القدر ، لم يستحق مدحا ولا ذما ؛ لأن المستحق عليهما قد حصل فيه الإحباط والتكفير ، على ما نبينه في الوعيد ، وعلى ما نعقله من حال المسىء إلى غيره والمحسن إليه ، إذا عادل إحسانه إساءته ؛ وإن كان أحدهما أزيد ، كان بما يستحق عليه من مدح أو ذم أولى على ما يعقله من حال الجامع بين الإحسان إلى غيره والإساءة إليه .
وما ذكرناه من أن الفاعل الواحد قد يفعل الخير والشر إنما أشرنا به إلى الفاعل منا لأنه موضع الخلاف ؛ فأما القديم تعالى ، فإنه يتعالى عن فعل الشر في الحقيقة . فأما الآلام ، فإنه عز وجل قد يفعلها على وجه يحسن عليه بأن تكون مستحقة كالعقاب الّذي يفعله في الآخرة أو يأمر بتعجيله في الدنيا ، وكالأمراض التي يفعلها للاعتبار بشريطة التعويض ، ولا يفعل المضار لدفع ضرر عن المضرور لقدرته على إزالة الضرر عنه من غير ضرر . فليس لأحد أن يتعقب ما ذكرناه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 34
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٤