قد يرجعان إلى الجنس الواحد ، فيجب صحتهما من الفاعل الواحد ، وفي ذلك إبطال ما قالوه . ومتى صح كون الواحد منا عالما بالشيء جاهلا بغيره ، مريدا للشئ كارها لغيره ، وإن كان الموصوف واحدا ، فهلا صح أن يقع منه الخير والشر ، وإن كان الموصوف واحدا ؟ فإن قالوا : إذا استحال كون المتحرك ساكنا ، والمجتمع مفترقا ، والنافع اضرا ، والمؤلم ملذا ، واستحال كون الموجب للتسخين موجبا للتبريد ، والموجب للتسويد موجبا للتبييض ، فهلا قلتم باستحالة كون الأصل الواحد ملذا مؤلما وخيّرا شريرا ؟ قيل له : إنما استحال كون المتحرك ساكنا ، لأن ما به يتحرك ويسكن يتضاد على المحل ، فلذلك لا يصح ذلك فيه ، واستحال كون الجسم مجتمعا مفترقا لمثل ما ذكرناه الآن ، لأن الاجتماع ، وإن كان لا يضاد الافتراق على الحقيقة ، فهو يضاد ما يحتاج الاجتماع في الوجود إليه من المجاورة ، فلذلك استحال ذلك فته . وأما كون النافع ضارا ، فلا يمتنع في حيّين وفي حيّ واحد في حالين ، لصحة اختلاف الشهوة والنفور فيهما . وأما في الحي الواحد في حالة واحدة فيستحيل لأمر يرجع / إلى استحالة كونه مشتهيا له ونافر الطبع عنه .
وكذلك القول في كون الشيء الواحد مؤلما ملذا . فأما المعنى الواحد فإنما لا يصح كونه موجبا للتسخين والتبريد ، لأن ما يسخن الشيء به من الحرارة يضاد ما يبرد به من البرودة ، فلذلك يستحيل كون الشيء الواحد موجبا لتسخين الجسم وتبريده . هذا هو الأصل في التبريد والتسخين ، وإن كان يستعمل في التعارف التبريد في الثلج ، إذا علت « 1 » أجزاؤه على الماء وغيره ، والتسخين في النار إذا غلبت أجزاؤه على ما يسخن بها . وعلى هذا الوجه يستحيل في الشيء
هامش
( 1 ) علت : غلبت خ .