تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
فإن قالوا : إنهما لطبعهما كانا متباينين ثم امتزجا باختيار الظلمة وقصدها عالم النور أو باختيار النور أو وقع ذلك اتفاقا من غير قصد ، قيل لهم : إن طبع الشيء لا يتغير عما يقتضيه باختيار المختار ، فكيف يصح ما ذكرتموه ؟ وبعد ، فإنه لا يصح أن يختار كل واحد منهما إلا ما يصح في طباعه ، وطبعهما يقتضي التباين ، فكيف يصح حصول المزاج منهما باختيارهما ؟ فإن قالوا : حصل المزاج بينهما من غير قصد وعلى وجه الاتفاق أو بالخبط ، قيل لهم : إذا لم يصح أن يتغير الشيء عن طبعه بقصد القاصد ، فبأن لا يصح ذلك بالاتفاق أولى . ألا ترى أن قلب الأجناس والجمع بين الضدين والجمع بين الجوهرين في مكان واحد لما لم يصح بقصد القاصد / كان بأن لا يصح ذلك اتفاقا أولى ؟ فإن قالوا : حدث المزاج بينهما لطبعهما في وقت المزاج وكانا من قبل متباينين لطبعهما في تلك الأوقات ؛ قيل له : إن طبع الشيء لا يتغير بالأوقات ؛ فكيف يصح ما ادعيته ؟ فإن قال : أليس يصح عندكم من القادر الفعل في حال دون حال ؛ وقد يفعل الأشياء المتضادة في الأوقات ؛ فهلا صح ذلك في المزاج والتباين ؟ قيل له : إنه لا يمتنع في القادر ذلك ؛ لأنه يفعل باختياره عندنا ؛ وأنت تقول إن ما يقع منهما يقع بالطبع ، فيجب أن لا تتغير حالهما في ذلك . على أنه لا يمكنهم القول بأن التباين يقع بالطبع لأن ما يقع بالطبع لا بد من كونه متجددا حاصلا بعد أن لم يكن وإلا لم يكن بأن يقع بالطبع أولى من أن يقع الطبع به . وذلك يمنعهم من القول بأن التباين حاصل بطبعهما . ويبين أن ذلك لا يصح لهم أن عندهم أن طبع الظلمة يقتضي ضد ما يقتضيه طبع النور ، ولذلك أوجبوا تباين « 1 » الأصلين من حيث اختلف عندهم الخير والشر .
هامش
( 1 ) تباين : إثبات م .