ومتى قالوا بأنهما من جنس واحد ويختلفان بالأعراض ، لم يصح لهم القول بقدمهما فقد جمعوا بين مذهبين لا يصح الجمع بينهما فيجب عليهم العدول عنهما إلى القول الصحيح .
ومما يبطل ما ذهبوا إليه أن الدلالة قد دلت على أن للحى صفة يختص بها ويتبين بها من غيره وهو صحة كونه مدركا للمدركات وصحة كونه عالما قادرا ؛ وقد علمنا أن النور على ما هو عليه لا يصح كونه حيّا ولا يمكن أن يثبت حيا ، لأن الطريق إلى إثبات الحي حيّا لا يصح فيه . وكذلك القول في الظلمة ، ولا فرق بين من أثبتهما حيين وبين من أثبتهما مختارين ومريدين أو أثبتهما بصفة الحي منا وإن لم يكن ذلك معقولا فيهما ، وقد ثبت أن الحي منا يحتاج إلى بنية مخصوصة وأحوال يحصل عليها ليصح كونه حيا ويستحيل في الجوهر المنفرد ذلك . وقد علم أن أجزاء النور والظلمة في حكم المفترق فلا يصح أن يكون لجملة منها من الحكم ما ليس لغيرها حتى يدعى كونها حية . وفي ذلك إسقاط قولهم بالتثنية ، لأنهم إنما تطرقوا إلى القول بذلك لظنهم أن الخير والشر لا بد لهما من فاعل حي فلا يصح مع تضادهما كون فاعلهما حيا واحدا . فإذا بطل بما قدمناه كونهما حيين فاعلين ، فقد بطل أصل هذه المقالة .
ومما يبين إبطال قولهم إن القادرين فيما بيننا قد ثبت أنه يقع من بعضهم الخير ومن بعضهم الشر / فلا بد على مذهبهم من القول بأن من يقع منه الخير نور ومن يقع منه الشر ظلمة .
وقد علمنا بطلان ذلك ؛ لأن القادر هو الإنسان بكماله دون أجزائه من حيث يتصرف بإرادة واحدة وداع واحد . وقد ثبت أنه يقع منه الخير والشر والحسن والقبيح والعلم والجهل . وفي هذا إبطال قولهم بالأصلين ، على أنه يجب على قولهم أن يجوزوا أن يفعل الخيّر منا سائر أصناف الخير لأنه متى فعل ضربا من
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 26
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٦