غير الأجسام لأن هذه الأعراض يصح أن تعدم مع بقاء الجسم . فيجب كونها غيرا لها . ومتى سلموا لنا ما ذكرناه وادعوا أنها ليست بغير للأجسام ، فهم منازعون لنا في العبارة ؛ والمضايقة فيها لا وجه له .
وبعد فإنهم يعتمدون في أصل المقالة على وجدانهم في العالم خيرا وشرا ونفعا وضرا ولذة وألما وأنه لا بدّ من إثبات فاعل لها / ولا يصح كون فاعلها واحدا لتضادهما ؛ وذلك يوجب عليهم القول بإثبات الأعراض ، وإلا لم يجب إثبات فاعل لذلك أصلا . وكيف يصح أن يكون الفاعل للخير هو النور ، ولا يكون غيرا له ، والفاعل للشر هو الظلمة ، ولا يكون غيرا لها ؟ ولئن جاز ذلك ليجوزن القول بأن الظلمة ليست غير النور وأنه ليس في العالم أشياء متغايرة ، وهذا مما يعلم بأول العقل فساده . وإذا ثبت أنه يلزمهم إثبات الأعراض التي هي الخير والشر والألم واللذة وجب بوجوب ذلك إثبات الحركات والسكون والتأليف والاعتماد وسائر الأعراض ؛ لأن إثبات ذلك أظهر من إثبات الخير والشر . على أنهم يقولون : إن ما يؤدى إلى اللذة فهو في الحكم كأنه لذة ، فلا بد من أن يثبتوا غير اللذة والألم من الأعراض . وكل ذلك يصحح ما قدمناه .
وإذا صح حدوث الأجسام بطل قولهم بالأصلين ، وبطل ببطلانه سائر ما فرعوه عليه ويجب أن ينظر في جملة ما ادعوه مما لا يصح كونه مقدورا لقادر لو لم يثبت حصوله بل علم نفيه . فالواجب إبطاله نحو قولهم بأنهما لا يتناهيان في سائر جهاتهما إلا في جهة تلاقيهما ونحو سائر ما أثبتوه من أسباب المزاج . فأما ما قد ثبت كونه وحدوثه مما قد علم بالدليل أنه فعل للقديم تعالى كخلق العالم وما يحيط به فيجب إضافته إلى القديم عز وجل . وفي ذلك سقوط ما يذهبون إليه من المزاج وأسبابه إلى سائر ما حكيناه من جهالتهم .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 24
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٤