فأما من حدّ العالم بأنه الّذي تسكن نفسه إلى ما علمه وقطع أن معلومه على ما علمه فبعيد ، لأن ذلك لا يصح فيه تعالى . ومن حق الحد أن يحيط بالمحدود فلا يخرج عنه ما هو منه ، وسكون النفس والقطع لا تكاد تستعمل فيه . وكذلك لا يقال : إنه على ثقة مما علمه ، فلا يصح أن يجعل حدّ العالم أنه الواثق بما علمه .
ولا يصح أن يقال : إن حد العالم أنه المثبت للشئ على ما هو به ، لأن الإثبات هو الإيجاد أو الخبر عن الإيجاد ، وقولنا عالم لا يفيد ذلك أصلا .
فقد صح أن الحد السليم في هذا الباب ما ذكرناه .
ويوصف بأنه عالم فيما لم يزل ولا يزال ، لأن ما يفيده قولنا عالم يصح عليه من غير توقيف ، وفارق حاله حال الواصف له بأنه رائى ، لأن ذلك يصح إذا أدرك المرئى .
ويوصف بأنه عالم بجميع المعلومات على ما قدمناه من قبل في باب الصفات والمعلومات ، فكيف تصرفت الحال فيها ، لا تخرج من أن تكون معلومة له ، ففارق حالها حال المقدور الّذي يخرج بالوجود من كونه مقدورا ؛ فلذلك صح عند وجود مقدوره الامتناع من الوصف له بأنه قادر عليه ولم يصح ذلك في المعلوم .
فأما الوصف له تعالى بأنه عارف بمعنى عالم فصحيح ، لأن معنى الصفتين في اللغة واحد ، ولذلك يطردان في الاستعمال على حد واحد . فيجب أن يستحق ، جل وعز ، هذه الصفة فيما لم يزل وفيما لا يزال على الوجه الّذي يوصف بأنه عالم .
وأما الوصف له / بأنه دارى بمعنى عالم فصحيح . وقد قال شيخنا أبو علي :
إن قلة استعمالهم ذلك فيه لا يؤثر في استحقاقه له ، لأن اللفظة إذا أفادت معنى على الحقيقة ولم ينتقل بشرع أو عرف لقلة الاستعمال للاستغناء بغيرها عنها
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 221
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٢٢١