تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
فإن قيل : أفتصفونه بأنه قوى ؟ قيل له : نعم ! وإلى ذلك ذهب سيخانا ، لأن معنى « قوىّ » و « قادر » لا يختلف ، فإذا جاز أن يوصف بأنه قادر جاز أن يوصف بأنه قوى ، وقد وصف نفسه تعالى بالأمرين جميعا . فإن قيل : أليس قد يقال حبل قوى وخشبة قوية ، يعنى بذلك الشدة والصلابة ، فهلا قلتم إن ذلك حقيقة ، وإنه لا يستعمل فيه ، جل وعز ، في الحقيقة ؟ قيل له : إن ما ذكرته ، لو ثبت ، كان لا يخرج من أن يستعمل بمعنى قادر في الحقيقة ، لأن اللفظة قد تفيد ما تفيده الأخرى وتزيد في الفائدة ، فكيف وما ذكرته مجاز ! ولذلك لا يطرد في كل شيء تحصل فيه صلابة وشدة . وإنما استعمل ذلك في الصلب الشديد تشبيها بالقادر ، لأن ما فيه من الشدة يمنع من كسره وقطعه ، كما أن قوة القوىّ تمنع من قهره . فأما قولهم إن فلانا قوى على طاعة اللّه ، على جهة المدح ، فالمقصد به أنه صابر عليه متمسك به ، وذلك مجاز فيه . ولذلك قال شيوخنا ، رحمهم اللّه ، إنه يقال فيه ، جل وعز ، إنه قوى وقادر ، فكذلك في الواحد منا ، فيقال إنه قوىّ العبد على كل شيء ، كما يقال أقدره اللّه عليه ، ويقال قواه على الكفر والإيمان ، كما يقال إنه قوىّ عليهما . واستبعد شيخنا أبو هاشم ، رحمه اللّه ، ما حكى عن بعض / البغداديين أنه لا يقال إنه تعالى قوّاه على المعصية ، وإن كان في الحقيقة قوّى عليها ، لأنه إذا كان في الحقيقة قويّا عليها ، كما أنه قادر عليها ، فما المانع من وصفه على جهة الاشتقاق بأنه مقوى على الكفر كما أنه مقدر عليه . ويوصف بأنه قدير ، ويراد به المبالغة في وصفه بأنه قادر ، ولذلك خصّ به دون سائر القادرين لاختصاصه في هذه الصفة بما ليس لغيره . ويوصف بأنه مقتدر ، ويراد بذلك ما قدمناه .