تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
أن العلم بالخفى ضروري وبما هو أجلى منه مكتسب . فإن قيل : هلا جوزتم أن يعرف بعض الملائكة مراده ضروريا وتوقيفه على لغة ، ثم يعلّم ذلك الملك النبىّ ويعلمنا النبىّ ذلك ، فتكون اللغات كلها موقفا عليها على هذا الوجه ؟ « 1 » قيل له : إن الدلالة قد دلت على أن الملائكة أجمع مكلّفة ولم يكن لها / قبل التكليف حال علمت فيه القديم ، جل وعز ، ضرورة . لأن هذه الحال إنما تجوز في أهل الآخرة ومن يجرى مجراهم دون غيرهم . فإن قيل : أفكان يصح أن يعرفنا تعالى جميع اللغات بعضها باضطرار وبعضها توقيفا ويستغنى المكلّف عن المواضعة على لغة في صحة معرفة خطاب اللّه تعالى قيل له : كان لا يمتنع أن يعرفنا قصده باضطرار وأنه قصد بالاسم إلى مسمى مخصوص كما نعرف قصد غيرنا بالاسم إلى المسمى إذا عينه بالإشارة ؛ لأن ما يحدث عند الإشارة من العلم بقصد المسير هو ضروري ، والإشارة كالطريق له . وقد بينا أنه ، عز وجل ، قادر على أن يفعل هذه العلوم الضرورية مع فقد طرقها ، حيث دللنا على أن الأكمه قد يجوز أن يعرف الألوان في الحقيقة ، وبينا أنه إذا صح أن يبقى العلم في قلبه مع انتفاء طريقه ، لم يمتنع مع حدوثه من جهة اللّه تعالى مع انتفائه أيضا . وتعلق العلم بالقصد بالإشارة لا يزيد على تعلق العلم بالمدركات بالإدراك ، فإذا صح ما ذكرناه في الإدراك صح مثله في الإشارة ، ولهذا قلنا إنه يصح أن يخلق تعالى في قلوبنا معرفته في الآخرة من غير مشاهدة الآيات الناقضة للعادات ، وأن ذلك لا يحتاج إليه ، على ما يقوله بعضهم . فكان لا يمتنع على هذا الوجه أن يعرفنا تعالى قصده ضرورة ، وتعرف من جهته الأسماء ، ثم يخاطب بها ، وتكون تلك اللغة التي عرفناها من قبله بمنزلة
هامش
( 1 ) الوجه : الحد م .