الإله قتل وصلب في الحقيقة وإن اختلفوا في هل لحقه الألم أم لا ، على ما حكيناه من قبل .
وربما قالوا : إن المسيح ولد ولادتين : أحدهما باللاهوتية من اللّه قبل الدهور ، والآخر بالناسوتية من مريم بعد الدهور .
واعلم أن الّذي بيناه من إبطال قولهم في الاتحاد يبطل جميع ما يذهبون إليه من أن المسيح يعبد ويخلق الأجسام ويرزق وينعم وأنه الخالق للعالم والمستحق للعبادة بانفراده أو هو مع غيره ، لأن الكلام في ذلك فرع عليه ، وفساد ذلك يغنى عن فساده .
وما قدمناه من الدلالة على أن الجسم لا يجوز أن يفعل الجسم والحياة والقدرة يبطل قولهم بذلك أيضا ، لأن المعلوم من حال المسيح أنه جسم في الحقيقة ، فكيف يصح أن يفعل ما يستوجب به العبادة على الأجسام الحية ، مع أنه / يستحيل أن ينعم عليها الإنعام الّذي يستحق به العبادة ؟
ولا فرق ، والحال هذه ، بين من قال بعبادته أو بعبادة سائر الأنبياء أو سائر الأجسام ، لأن العبادة إنما تستحق بقدر من النعم عظيم لا توازنها نعمه .
ولذلك لا يستحق بعض العباد من بعض العبادة ، على تفاوت أحوالهم في إنعام بعضهم على بعض في الكثرة والقلة ، من حيث لم يختص ما يحصل من جهتهم من النعم بما تختص به نعم القديم ، جل وعز ، لأنه يختص بأمور : أحدها أنه الأصل في النعم لأنه لولاه لما صحّ سائر النعم ، فصار من هذا الوجه كأن جميع النعم منه ، وثانيه أنه قد بلغ قدرا لا يجوز أن توازنه نعم غيره ، وثالثه لأن نعم غيره نعم منه ، لأنه إنما صار مالكا له على وجه يصح أن ينعم به على غيره بأمور من جهة اللّه تعالى ، إما في النعم أو فيه أو في المنعم عليه . وقد علم أن هذه الوجوه يستحيل
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 147
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٤٧