قد خرج عن طبيعته الناسوتية وجوهرها ، وإلا لم يكن لقولهم إنه قد صار باتحاد اللاهوت به شيئا واحدا ، مع أن حاله على ما كان عليه ، معنى ولا فائدة . وبعد ، فيجب على هذا القول أن يكون المسيح قد صار بعد ما / كان محدثا قديما باتحاد اللاهوت به . ويستحيل أن يصير المحدث قديما ، كما يستحيل أن يصير القديم محدثا ، بل ذلك في المحدث أشد استحالة ، لأن ما وجد بعد أن لم يكن لا يجوز أن يصير موجودا لم يزل ، لأن ذلك يوجب وجوده في حال قد ثبت عدمه ، وذلك يستحيل فيه . فإذا استحال ذلك ، لم يخرج عن الاستحالة إلى الصحة موجود معنى ولا عدمه ولا باتحاد ولا غيره ، كما لا تصح الأمور التي ثبتت استحالتها لعارض ومعنى .
على أن اللاهوت إذا اتحد بالناسوت فلا يخلو إذا صارا شيئا واحدا من وجوه :
إما أن يكون ذلك الواحد بصفة اللاهوت وخرج عن صفة الناسوتية ، أو بصفة الناسوت وخرج عن صفة اللاهوتية ، أو يختص بكلا الصفتين . فإن كان بصفة اللاهوت فيجب أن يستحيل على المسيح سائر ما يختص به الناسوت من الرؤية والطول وسائر ما هو عليه من الصفات والأكل والشرب والقتل والصلب ، وفي ذلك خروج عن مذهبهم ، لأنهم يقرون بأن عيسى كان بعد النبوّة والاتحاد يشاهد على ما كان من قبل آكلا وشاربا ، ويثبتون الصلب والقتل فيه بعد ذلك ، وإن اختلفوا في ذلك الصلب أنه متعلق باللاهوت أو الناسوت . وإن كان بصفة الناسوت وخرج عن صفة اللاهوت بالاتحاد ، فيجب أن لا يظهر منه فعل إلهي ، وأن يكون حكم المسيح بعد الاتحاد كحكمه من قبل ، وأن تكون حاله وحال غيره سواء ، ويجب أن يكون الإله قد بطل وخرج عن صفاته بالاتحاد ، / وأن يكون ذلك بمنزلة عدمه . وفي ذلك جواز العدم على القديم تعالى أو على الابن عندهم .
وكلاهما سواء في الاستحالة ؛ لأن جوهر القديم ، كما يستحيل عدمه ، فكذلك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 138
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٣٨