ما تظهر صورة الإنسان في المرآة المجلوة إذا نظر فيها ، أو بحسب ظهور نقش الخاتم في الطينة المطبوعة ؟ وذلك وجه معقول لا يرجع به إلى الحلول والمجاورة ؟ قيل له : إنا لا نقول إن صورة الإنسان تظهر في المرآة أو تنطبع فيها أو تتشبح ؛ لأنه لو انطبع فيه ، لم يخل من أن يكون ذلك المنطبع جوهرا أو عرضا . وقد علم أنه قد يرى في المرآة ما هو أعظم صورة / منها ؛ والكبير لا يجوز حصوله في الصغير ، وكيف يقال ذلك والإنسان يرى في المرآة وجهه على هيئته ، أو وجه غيره من غير أن يخالفه ، فكيف يجب أن يجرى ذلك على طريقة واحدة إن لم يكن الّذي يراه فيه وجهه في الحقيقة ؟ وكيف يصح تمثيل ذلك بما يحصل للرجل من الظل ، وليس الظل بأكثر من ستر الشعاع ؟ ولذلك يختلف بحسب ما ستره من الشعاع ، ولذلك يستر الكثير في أول النهار ، والقليل عند الزوال ، وربما لا يحصل له ظل البتة قبل الزوال . فقد صح أن الّذي يراه في المرآة هو وجهه في الحقيقة ، لكنه رآه بالمرآة وصارت آلة له ، من حيث لم يصح أن يكون وجهه مقابلا لعينه ، واحتاج إلى شيء يصير به وجهه مقابلا له ويصير في الحكم كأنه عينه ، ولذلك نرى أحدنا يفزع إلى المرآة إذا أراد أن يعرف صورة وجهه ، كما يفزع إلى عينه في رؤية سائر المرئيات . وإذا لم يكن في المرآة صورة منطبعة ، لم يصح ما شبهوه به في الاتحاد ، ولا في قولهم في التثليث .
فأما ظهور نقش الخاتم في الطينة ، فهناك عرض يدخل فيه ونقش الخاتم أثر فيه . وذلك أن الناتئ في الخاتم إذا صادف جسما ليّنا انغمس فيه وبقي أثره ؛ فكما تنخفض مواضع منه ، ترتفع مواضع أخر ، فقد حصل فيه أعراض اختلفت به حاله ، وإن كان عندهم أن القديم اتحد بعيسى على هذا الوجه ، فيجب أن يصير حالا فيه ، أو يقتضي حلول شيء فيه سواه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 129
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٢٩