على أن كل شيء يوجد في غيره بعد أن لم يكن فيه لا يخلو من قسمين :
أحدهما : كان موجودا من قبل لا فيه ثم صار فيه .
والآخر : لم يكن موجودا من قبل أصلا فحدث فيه . وقد علم أن القديم موجود قبل اتحاده بعيسى ، وما كان كذلك فلا يحصل في غيره إلا بحدوث معنى سواه يقتضي انتقاله إليه وحلوله فيه كالكلام عند أبي على فأما أن يحصل في غيره لا لأجل معنى حادث فمحال . وقد بينا من قبل أنه لا يصح أن يقال إنه يحل فيه على وجه يجب ذلك فيه فيستغنى عن معنى لأجله حلّه ، وبسطنا القول فيه .
فإن قيل : إنا نقول إنه اتحد به لا على وجه الحلول ولا على سبيل المجاورة ، فلا يبطل قولنا بما ذكرتموه . وهب أنا قلنا إنه يحل فيه ، كيف يلزمنا أن نجريه / مجرى حلول العرض في المحل ؟ ولم لا يصح أن نثبته حالا فيه على غير هذا الوجه ؟ فلا يبطل قولنا بما ذكرتموه ، قيل له : إن كون الشيء في غيره لا يصح أن يثبت إلا على وجه معقول ، كما أن الشيء لا يثبت في نفسه إلا على وجه معقول . فكما يجب إبطال كل قول يوجب إثبات ما لا يعقل ، فكذلك يجب إبطال القول بوجود الشيء في الشيء على وجه لا يعقل . وقد علم أنه لا يصح أن يعقل كون الشيء في غيره إلا أن يكون ذلك الغير كالطرف له ويكون مجاورا له أو أن يصير حالا فيه وحيزه حيزه . وما يذهب إليه شيخنا أبو علي ، رحمه اللّه ، في الكلام لا يخرج عن هذا القسم ، لأنه يثبته حالا في المحل ، وإن كان يقول إنه قد يحصل فيه لا بالحدوث . وإذا ثبت ذلك ، صحّ ما قلناه من أنه لا يعقل وجود الشيء في غيره إلا على هذا الوجه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 127
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٢٧