فصل في إبطال قول من قال « اتحد اللّه جل وعز بعيسى عليه السلام بأن صارت مشيئة اللاهوت مشيئة الناسوت »
/ وأما الّذي يبطل قولهم بأنه اتحد به بأن صار مشيئة اللاهوت مشيئة الناسوت فهو أن الدلالة قد دلت على أن القديم تعالى مريد بإرادة لا في محل على ما نبينه من بعد . وقد علم أن الجسم لا يصح أن يريد إلا بإرادة تحل في بعضه . فإذا صح ذلك لم يجز أن تكون إرادته ، جل وعز ، إرادة للمسيح ، مع أنها لم توجد في بعضه ، كما لا يصح أن يكون فعله فعلا للمسيح مع أنه لم يوجد من جهته ، لأن من حق الفعل أن لا يختص بكونه فعلا لفاعله إلا بوقوعه من جهته ، كما لا تكون الإرادة إرادة للجسم إلا بوجودها في بعضه . فمن أجاز أن تكون إرادة القديم إرادة له لزمه تجويز كون فعله محلا له .
وبعد ، فلم صارت إرادته بأن تكون إرادة للمسيح أولى من أن تكون إرادة لسائر الأجسام مع أن تعلقها به كتعلقها بسائر الأجسام ؟ وهذا يوجب كون جميع الأحياء مريدين بإرادته تعالى ، وذلك فاسد ، لأنه يوجب أن لا يصح أن يريد أحدهما القبيح من حيث يستحيل ذلك في اللّه جل وعز ، ويوجب أن لا يصح أن يريد أحدهم خلاف ما يريده تعالى ، ولا يكره ما يريده ، ولا تختلف أحوالهم في ذلك إذا أراد القديم تعالى الشيء . وبعد ، فلو جاز أن تكون إرادته ، مع أنها لا في محل ، إرادة له ، لصح أن تكون إرادتهم وعلومهم وسائر ما يختص بهم متعلقا باللّه تعالى . وذلك يوجب استحالة كون