وقد قال أبو عثمان « 1 » : إنما سمى عيسى روحا على حسب ما سمى جبريل روح اللّه وروح القدس وعلى حسب ما سمى جل وعز القرآن بذلك فقال :
« وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا »
وقال :
« يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ »
، ولم يوجب ذلك القول بأن جبريل أو القرآن أبناء اللّه . فكذلك لا يجب مثله في المسيح . فأما قوله تعالى :
« فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا »
فليس المراد به الحقيقة « 2 » ، لأن ذلك يستحيل في اللّه ، جل وعز ، وهذا كقوله في قصة آدم :
« فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ »
.
ولم يوجب ذلك أن يكون روحا للّه في الحقيقة أو ابنا له ، فكذلك القول في عيسى .
وهذه الجملة تسقط ما حكيناه عنهم في التثليث وسائر ما يفرعونه عليه من نحو تفسيرهم الأقانيم بما فسروه وضربهم في ذلك الأمثال ، لأن الكثير من ذلك يؤول إلى العبارة . وما قدمناه من الدلالة على أنه تعالى لا يصح أن يكون جسما يبطل كثيرا من ألفاظهم وأمثلتهم ، لأن ظاهرها يوهم كونه جسما . ومن تأمل هذه الجملة علم سقوط سائر ما يتعلقون به من المذاهب والأمثلة ، فلا وجه لتتبع جميعه على التفصيل .
هامش
( 1 ) راجع : الجاحظ ، في لرد على النصارى ، ص 36 - 37 .
( 2 ) الحقيقة : في الحقيقة م .