تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
لم يختله أحد قبله بقذفهم إياه في النار ، وذبحه ابنه ، وحمله على ماله بالمواساة ، وبما فعله قومه ، والبراءة من أبويه في الحياة والممات وترك وطنه ، والهجرة إلى غير داره ومسقط رأسه ، فصار بهذه الشدائد مختلا في اللّه وخليلا . فأضافه اللّه إلى نفسه وسماه خليله من بين الأنبياء ، كما تسمى الكعبة بيت اللّه من بين البيوت ، وأهل مكة أهل اللّه / من بين جميع البلدان ، وناقة صالح ناقة اللّه ، وهكذا كلّ شيء عظمه اللّه من خير أو شر أو ثواب وعقاب ، كما قالوا : دعه في لعنة اللّه وفي ناره ، وكما قال : القرآن كتاب اللّه ، والمحرم شهر اللّه ؛ وكما قيل لحمزة أسد اللّه ، ولخالد سيف اللّه . ولذلك قيل في عيسى : روح اللّه ، لأنه خلق في نطف الرجال الأرواح إذا قذفوها في أرحام النساء ، على ما أجرى عليه العادة ، وخلق في رحم مريم روحا وجسدا على غير مجرى العادة ، فلهذه الخاصية قيل روح اللّه « 1 » . وذلك لا يصح في البنوة ، لأن المعلوم من حال الواحد منا أنه لو رحم جرو كلب فرباه ، لم يجز أن يسميه ولدا ولا ينسبه له أبا ، ولو التقط صبيا فرباه لجاز أن يسميه ولدا ، لأنه شبيه ابنه ، وقد يولد لمثله مثله « 2 » . فإذا لم يصح ممن هو جسم مثله ، إذا لم يكن مشبها لابن ، لو كان له ابن ، فبأن لا يصح أن يقال ذلك في اللّه أولى . فإن قيل : فهلا جاز أن يقال في عيسى إنه ابن اللّه ، لأنه خصّه بأن خلقه من غير ذكر ؟ قيل له : هذا يوجب مثله في آدم ؛ لأنه خلقه من غير ذكر ولا أنثى . فإن قالوا : قد خصّ عيسى في التربية بما لم يخص به غيره ؛ فلذلك جاز أن يقال إنه ابنه ، فهذا قائم في جميع الأنبياء عليهم السلام ، أنهم أجمع
هامش
( 1 ) هنا ينتهى النقل عن الجاحظ في رسالة في الرد على النصارى ، ص 32 . ( 2 ) الجاحظ ، في الرد على النصارى ، ص 32 مع ملاحظة أن الجاحظ ينقل في هذا الموضع رأى النظام ويخالفه فيه .