فكذلك الإله موجود حي ناطق وهو جوهر واحد ؛ وهذا غلط ، لأن الإنسان لم يكن إنسانا لأنه حي ناطق مائت ، وإنما صار إنسانا لما بان منه من سائر الحيوان من البنية . ولو كان إنسانا لما ذكره لم يخرج من أن يكون الّذي صحح فيه ما قاله البنية وأن لا يرجع بهذه الصفة إلى شيء واحد في الحقيقة ، بل يرجع إلى أشياء مبنية كل جزء منا ليس بإنسان البتة . وهذا يوجب عليهم أن كل واحد من الأقانيم ليس بجوهر ، وعندهم أنه جوهر خاص ، وإن كانت البنية جوهرا عاما .
على أن ما قالوه يؤكد قولنا ، لأنا نجعل لكل جزء من الإنسان من الحكم ما نجعله للآخر ، فيجب أن يجعلوا لكل واحد من الأقانيم من الحكم والصفة ما للآخر . وفي هذا نقض جميع ما يعتمدون عليه . وإنما صح كون الأجزاء الكثيرة إنسانا واحدا وحيّا ، لأنه يحيا بحياة تحله ، ومن حقها أن لا توجب الحكم له إلا بحصول أجزاء كثيرة منها في أجزاء كثيرة من الجواهر مبنية .
والقديم تعالى لا يصح أن يكون إنما صار حيّا لكونه مع غيره مبنيّا بنية مخصوصة ، لأن ذلك يوجب كونه جسما محدثا .
ويقال لهم : لم صرتم بأن تقولوا إن اللّه جوهر واحد ثلاثة أقانيم بأولى من أن يقال هو جواهر ثلاثة أقنوم واحد ؟ فإن قالوا : لأنها مختلفة في باب الأقانيم ، متفقة في الجوهرية / قيل لهم : هلا قلتم إنها مختلفة في باب الجوهرية متفقة في أنها أقانيم ؟ فأما من يقول منهم : إني أريد بقولي جوهر واحد أنه موصوف واحد وبقولي أقانيم ثلاثة أنه يختص بكونه قديما حيّا متكلما ، ولا أريد بهذه العبارات إلا ما ذكرته ، فقوله في المعنى يخالف مذهب النصارى ؛ لأن من مذهبها ما قدمناه من إثبات ثلاثة أقانيم جوهرا واحدا في الحقيقة . يبيّن ذلك أن من مذهب النصارى القول بأن الابن يتحد بعيسى ، ويخصون الابن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 104
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٤