فصل في إبطال القول بأنا نرى القديم سبحانه الآن
الّذي يدل على أنا غير رائين له الآن أنا لو رأيناه لوجب أن نعلمه ، لأن من حق ما نراه ، إذا ارتفع اللبس ، أن نعلمه على ما هو به ، ولذلك نعلم جميع المرئيات على اختلافها إذا رأيناها كالألوان والجواهر ، وكذلك سائر المدركات . وإنما لا يعلم الواحد منا ما يراه لشبهة تعرض . وقد علمنا أن الشبه المعقولة التي لها لا نعلم ما نراه لا تصح فيه تعالى ، لأن ذلك إنما يصح فيما يلتبس بغيره لتعلقه به بالحلول ، أو المجاورة ، أو / لكونه نظيرا لغيره ، أو لتخيل بعض ذلك فيه . وقد علم استحالة ذلك أجمع على اللّه سبحانه ، فلو كان مرئيا لنا الآن لعلمناه لا محالة . فإذا بطل ذلك لما نجده من أنفسنا من فقد العلم الضروري به ، من حيث يصح منا الاستدلال عليه ، ونفى العلم به بإدخال الشبه ، ومن حيث علم بأن في المكلفين من يعتقد نفيه ، وفيهم من يعتقده على ما ليس هو به ، فقد علم أنه ليس بمرئى لنا الآن .
وليس لأحد أن يقول : هلا جوزتم أن يكون في جملة المكلفين من يراه وإن لم تروه أنتم على ما يدعيه بعضهم ؟ قيل له : إنه تعالى لو رآه واحد من المكلفين لرآه سائرهم . وصح ذلك من جميعهم ، فلا يصح أن يختص بعضهم بذلك دون غيره ، ولا يصح أن يختص بذلك من ليس بمكلف دون المكلفين ، لأن ذلك لا يصح في المرئيات على ما قدمنا القول فيه .
على أنه لا أحد يدعى أنه يرى اللّه سبحانه إلا من يعتقده جسما مصورا بصورة مخصوصة ، أو يعتقد فيه أنه يحل في الأجسام ، وذلك مما بينا فساده ، والكلام في الرؤية من حقه أن يتأخر عنه .