فإن قيل : هلا قلتم إنه تعالى لا يخلق فينا العلم به ، وإن كنا نراه في الحقيقة لأنه لو خلق ذلك فينا لزال عنا التكليف ، لأن التكليف لا يصح إلا مع اكتساب المعرفة به ؟ قيل له : إن من حق ما نراه ، مع كمال العقل ، أن نعلمه لا محالة ، وفقد العلم به يقتضي زوال / العقل ، لأنه لا يصح مع كمال عقله أن يرى السواد فلا يعلمه ، مع رؤيته للبياض وعلمه به . ويجب وإن قلنا إن العلم بالمدرك من فعله جل وعز ، فلا يصح مع كمال العقل أن لا يفعله فينا ، ولو جوزنا ذلك لأدى إلى الجهالات ، وأن لا نثق بالمدركات ، وأنها هي على ما عليه من الأحوال ، وقد نقضنا القول في ذلك ، فثبت بطلان ما سأل عنه .
على أنه كان يجب أن يجوز فيمن ليس بمكلف أن يعلم ربه بأن يراه ، لأنه لا مانع يمنع من ذلك إن كان ماله امتنع أن يعلمه ما ذكروه من كوننا مكلفين على أنه يجب على هذا القول إن لم يصح التكليف إلا بأن لا يعلم ما يراه أن لا يكلف جل وعز أحدا ، لأنه يؤدى إلى أن يكون التكليف موقوفا على ما إذا حصل اقتضى زوال العقل الّذي من حقه أن يوجب قبح التكليف .
على أنه كان يجب أن نعرفه جل وعز فلا يمنع ذلك من صحة التكليف لو كان مرئيا ، لأنه كان يجب أن يكون في حكم المدركات . وإنما يصح لنا هذا القول من حيث ثبت أن التوصل إلى معرفته باكتساب يكون لطفا لنا في سائر ما كلفناه ، ولو كان مرئيا مدركا كان لا يصح ذلك .
على أنه لا فرق بين قول من قال : إنا نراه تعالى وإن لم نعلمه ، وبين من قال : إنا نسمعه وندركه بآلة الذوق والشم وإن كنا لا نعلمه . وفساد ذلك يقضى ببطلان هذا القول .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 100
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص١٠٠