فيه لصح أن نراه على بعض الوجوه . فإذا استحال ذلك بما نذكره من بعد ثبت أنه مما يستحيل أن يرى ، كما أنه يستحيل أن يسمع / .
دليل آخر : وقد استدل شيخنا أبو علي وأبو هاشم رحمهما اللّه على أنه تعالى لا يصح أن يرى ، بأنه قد صح أن الواحد منا لا يراه الآن مع كونه على الصفة التي لو رأيناه لم نره إلا لكونه عليها ، وكوننا على الصفة التي لاختصاصنا بها نرى ما نراه ، ومع ارتفاع الموانع المعقولة ، فعلمنا أن الوجه الّذي لأجله لا نراه هو لأنه في ذاته لا يرى ، لا لأمر يرجع إلينا ، أو إلى الموانع ، أو إليه مما يجوز خروجه عنه . يبين ذلك أن الواحد منا إذا رأى في المحل السواد ولم ير الحلاوة ، فيجب أن يقضى أنها غير مرئية ، لأنها لو كانت مرئية لم تر إلا لما هي عليه ، إذ لا مانع يمنع من رؤيتها . فإذا رأينا في المحل السواد دونها علم أن ما له لم نرها أنها في ذاتها غير مرئية ، فقضينا بأنه لا يجوز أن يراها أحد من الرائين . فكذلك إذا لم نر القديم تعالى ، والحال ما وصفناه ، علم أننا لم نره لأنه في ذاته غير مرئى ، فيجب أن لا يصح أن يراه أحد من الرائين على وجه من الوجوه .
فإن قيل : فهل ما ذكرتموه إلا دعوى فيها تخالفون ؟ فما دليلكم على صحتها ؟
وهلا جوزتم أن يرى نفسه وإن استحال منكم أن تروه والحال ما وصفتم ؟ قيل له :
إذا سلم أنا لا نراه والحال هذه ، فإن العلة في ذلك هو كونه غير مرئى ، فيجب القول باستحالة كونه رائيا لنفسه ، كما أنا إذا لم نسمعه والحال هذه ، وجب القضاء بأنه لا يسمع / نفسه ، وكما إذا لم نر المعدوم لعدمه ، وجب القضاء بأنه تعالى لا يجوز أن نراه .
فإن قيل : أليس قد يتعذر عليكم فعل الأجسام وغيرها من مقدورات اللّه تعالى ولم يجب من حيث تعذر ذلك عليكم تعذرها عليه جل وعز ، فهلا صح أن يرى
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 95
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٩٥