يعلم أحدنا الخفي ولما علم الجلى ، والفرع ولما علم الأصل ، لأنه ممن يعلم بعلوم ، ومن حقها أن يترتب بعضها على بعض ، لتعلق بعضها ببعض ، ولذلك لم يصح ذلك « 1 » فيه تعالى لأنه عالم لنفسه .
فإن قيل : إن الواحد منا يصح أن يرى القديم تعالى كما يرى نفسه ، لكنه يراه بحاسة سادسة سوى هذه الحواس المعقولة ، فليس في قولنا نقض لما ذكرتموه من الأصول ، لأنا قد أجزنا أن نراه على بعض الوجوه . قيل له : إنا نستدل على بطلان هذا القول من بعد ، وإنما قصدنا بالذي أوردناه الآن إبطال القول بأنه يرى نفسه مع استحالة كون الواحد منا رائيا له على كل وجه . فإذا دللنا على أنه لا يصح أن نراه على / وجه من الوجوه ، وفي حال من الأحوال ، فيجب القضاء باستحالة كونه رائيا لنفسه ، كما إذا ثبت أنه يستحيل أن نسمعه وندركه كإدراك الرائحة والطعم على كل وجه ، فيجب أن يستحيل أن يدرك نفسه على هذه الوجوه .
فإن قيل : ألستم تقولون في الألم الحادث في جسم الواحد منا إنه يدركه ، ويستحيل أن يدركه سائر المدركين مع وجوده وصحة إدراكه ، وذلك ينقض ما أصلتموه ؟ قيل له . إن من حق الألم أن لا يدركه الحي منا إلا بمحل الحياة في محل الحياة ، فيصير محل الحياة آلة له في إدراكه على هذا الوجه ، ويستحيل ذلك في غير من حدث في جسمه ، فلذلك لا يدركه غيره ، ولو حصل لغيره مثل تلك الآلة لأدركه كإدراكه ، ولذلك يدرك غيره أمثال ذلك إذا حدث في جسمه . وليس كذلك حال القديم سبحانه لو كان مرئيا ، لأنه كان يجب أن يصح أن نراه بالآلة الموضوعة للرؤية على وجه من الوجوه . فإذا استحال ذلك فيه علم أنه يستحيل أن يرى على ما رتبنا القول فيه .
هامش
( 1 ) إلى هنا ينتهى السقط الواقع في نسخة دار الكتب المصرية ، والّذي أشرنا إلى بدايته في ص 90