الواحد منا رائيا له على كل وجه يحيل كونه مرئيا في نفسه ، كما أن ما منع من صحة علمنا بالشيء يحيل كونه معلوما في نفسه ، فما لا يصح معه الشروط التي معها يصح أن نراه فيجب أن يستحيل كونه مرئيا ، كما أن ما يستحيل أن نعلمه على كل وجه يمنع من كونه معلوما . ولو صح أن يقال في المرئى ما سأل عنه ، لم ينكر أن يقال إن في المعلومات ما يستحيل أن يعلمها لاستحالة وجود العلم به في قلوبنا ، وإن كان يحتمل سائر العلوم ، والعالم لنفسه يعلمها كلها . فلما لم يصح ذلك ؛ بل قيل إن ما أحال وجود العلم به في قلوبنا وإن كان مع سلامتها يحيل كونه معلوما ، فكذلك ما أحال كونه مرئيا لنا مع سلامة الحاسة وارتفاع العوارض يحيل كونه مرئيا في نفسه لكل أحد ، فلا يصح أن يقال إنه سبحانه يرى نفسه وإن استحال أن نراه . وعلى هذه الطريقة قلنا : إن ما أحال صحة حدوث الشيء من جهتنا على كل وجه يحيل كوننا قادرين عليه ، وما أحال حدوثه بالسبب على كل وجه يمنع من كونه متولدا عنه ، إلى نظائر لذلك تكثر في الأصول .
فإن قيل : أليس لا يصح أن نعلم الآن ، من جهة الاضطرار ، العدل والتوحيد ، وإن صح منه تعالى أن يعلم العالم عليها ، ولذلك نقول إنه جل وعز عالم لنفسه والواحد / يعلمناه في الآخرة ، فقد ثبت صحة الاختصاص في هذا الباب . قيل له :
إنا لم ننكر الاختصاص في الجهة التي يصح أن يعلم العالم عليها ، ولذلك نقول إنه جل وعز عالم لنفسه ، والواحد منا يعلم بعلم ، فلا ننكر أيضا أن نعلم الشيء في حال باضطرار ، وفي حال أخرى باستدلال . هذا لو صح ما ذكرته فكيف ! ولو شاء تعالى أن يضطرنا الآن إلى معرفة عدله وتوحيده كهو في الآخرة يصح ؛ ولو شاء أن يمكننا من الاستدلال والنظر المؤدى إلى معرفته في الآخرة كهو في الدنيا يصح .
وإنما لا يختار ذلك لأن الحكمة لا تقتضيه لا لأنه في نفسه لا يصح . وإنما نحيل أن
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 92
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٩٢