فإن قيل : ألستم تجوزون في الفناء الّذي تنتفى به الأجسام أن يكون مدركا للقديم تعالى وإن استحال منكم إدراكه على كل وجه ، فهلا صح أن يرى نفسه وإن استحال أن تروه على كل وجه . قيل له إنا قد نبهنا على سقوط ذلك بأن قلنا إن الرائي متى حصل على الصفة التي معها يرى المرئى ، فيجب إذا استحال أن يرى ، والحال هذه بعض الأشياء أن يقضى بكون ذلك غير مرئى ، وليس يصح ذلك فيما سألت عنه لأن مع وجود الفناء يستحيل كون الواحد منا بالصفة / التي معها يرى المرئى ، لأنه يعدم عند وجوده ويخرج من كونه حيا ، فلذاك صح أن يراه القديم سبحانه وإن استحال ذلك فينا . ولو صح ان يرى نفسه جل وعز ، وهو ممن يصح مع وجوده وكونه على الصفة التي يرى معها أن نكون نحن على الصفات لكوننا عليها نرى المرئيات ، فكان يجب أن يصح أن نراه . فإذا استحال ذلك علم أنه في نفسه لا يصح أن يرى . هذا لو ثبت أن الفناء مرئى للقديم تعالى فكيف ولنا فيه نظر ؟
وقد اعتمد شيخنا أبو عبد اللّه رحمه اللّه في أنه غير مرئى على هذه الدلالة ، وقال : لما استحال أن نراه على كل وجه ، استحال أن يكون مرئيا ، إذ لو كان مرئيا لصح أن نراه على بعض الوجوه ، كما أن المعلوم يصح أن نعلمه على بعض الوجوه . وهذا لا يسلم على النظر ، لأن المعلوم إنما وجب فيه ما قاله إذا كان العالم على صفة يصح أن يعلمه معها ، ولذلك لا يجب في الجماد وفي الأعراض ذلك .
فكذلك إنما يجب فيما يرى أن يصح أن يراه كل أحد متى حصلوا بالصفة التي معها تصح منهم الرؤية . فأما إذا استحال ذلك فيهم فما ذكروه من القضية غير صحيح .
فقد ثبت بهذه الجملة أنه جل وعز لا يصح أن يرى نفسه ، وأنه لو صح ذلك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 94
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٩٤