أبو علي رحمه اللّه في الحركات إنها مرئية ، وإن لم يثبتها إلا على الصفات التي نثبتها نحن عليها وتمنع من كونها مرئية . وهذا كالاختلاف في أن المعدوم يصح أن يعلم أم لا ، لأن المختلفين في ذلك يتفقون في صفته وإن منع أحدهم من كونه معلوما دون غيره . فقد صح أن وصفنا للمرئي بأنه مرئى لا يفيد إلا ما قلناه .
فأما الرائي فإنما يوصف لحصول الخال المخصوصة التي يقتضيها كونه حيا .
والفصل بين كونه مدركا لسائر المدركات ، يعرفه العاقل من نفسه كما يعرف الفصل بين كونه مدركا وبين كونه عالما ، وما حل هذا المحل . فالتنبيه عليه يغنى عن تحديده بعبارات لأنه يقع به من الكشف والإلهام أكثر مما يقع بالعبارات .
والكلام في أن وصف المدرك بأنه مدرك ، والرائي بأنه راء ، لا يفيد وجود معان / كالكلام في أن وصفه بأنه عالم لا يفيد العلم ، وقد بينا القول فيه من قبل ، ودللنا على أن المدرك لا يكون مدركا بإدراك ، وبينا أن وصف المدرك منا بأنه شام ذائق لا يفيد الإدراك ، وإنما يفيد الطريق الّذي يتوصل به إلى إدراك الأراييح والطعوم ، وبينا أن من امتنع ذلك عليه لا يجب أن لا يوصف بأنه راء ومدرك ، وبينا أن الشم والذوق كالنظر الّذي يحصل عنده الرؤية وإن لم يكن منها بسبيل . وكذلك القول في اللمس والبطش في أنه طريق لإدراك الحرارة والبرودة والجسم فيمن يحتاج في الإدراك إلى آلة . فلذلك حكمنا بأنه تعالى يدرك هذه المدركات كلها مع استحالة هذه الطرق عليه لمفارقته لنا فيما له احتجنا إلى هذه الطرق والآلات في الإدراك .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 81
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٨١