إذا حدق في الشمس يؤثر ذلك في بصره ، ويختلف تأثيره في العين بحسب قوتها وضعفها وكثرة شعاعها وقلته . ولصحة ما قلناه نرى الكواكب / إذا انكسفت الشمس نهارا ، ويراها من هو في قعر الآبار العميقة من حيث كان ضوء الشمس لا يصل إلى ذلك الموضع فيؤثر في شعاع بصره على الوجه الّذي يكون آلة ، فينفصل شعاع العين ، ويتصل بضوء الشمس ، فيرى الكواكب .
وإنما لا يدرك الهباء إذا كان في البيت ، ويدركه إذا قوى بالشمس ؛ لأنه للطافته لا يقوى شعاع البصر فقط عليه ، فإذا اتصل به شعاع الشمس أصابه فوضح الهباء ، فيراه لأجل ذلك .
فقد ثبت بهذه الجملة أن جميع ما سألوا عنه ليس فيه أنه أدرك الشيء على خلاف ما هو به ، وإنما يدرك الشيء مع غيره ، أو يراه دون غيره أو يراه في حال دون حال ، أو يتخيل إليه بغيره ، لأمر يرجع إلى الشعاع لا إلى المدرك . وما يتعلقون به من أن النائم قد يتصور له الشيء كما يتصور للمنتبه ، ويكون ذلك منه ظنا ، وإن كان يعتقد أنه يدرك ذلك ويتصرف فيه بحسب اعتقاده ، وتوصلهم بذلك إلى أن الإدراك قد يخطى ، فبعيد . وذلك لأن نفس النائم لا تسكن إلى ما يعتقده ، ولا ما يفعله في حال نومه يطابق اعتقاده ، فحاله مفارق لحال المنتبه ، وليس في النائم من العقل ما يفصل به بين ما يراه في الحقيقة وبين ما يتخيل إليه ، فلذلك يتفارق حال الجميع عنده ، وليس هذه حال المنتبه العاقل ، لأنه يفصل عند رجوعه إلى نفسه / بين ما يراه وتسكن نفسه إليه وبين غيره . وربما تصور الشيء للمنتبه ويسهو فيظن أن ما تصوره حاصل بين يديه لذها به عن تمييز ما تسكن نفسه إليه مما لا تسكن النفس إليه . فإذا صح ذلك على المنتبه ، والحال ما قلناه ، فبأن يصح ذلك على النائم أولى .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 78
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٨