فصل في بيان الصفة التي يكون المرئى عليها يرى
اعلم أن الجواهر والألوان مرئيان ، وقد دللنا على ذلك عند الكلام في تماثل الجواهر ، وبينا أن طريق إثبات الشيء مدركا قد حصل فيهما جميعا ، فلو لم نقل بصحة إدراكهما لأدى إلى أن / لا نعلم شيئا من المدركات البتة . وبينا أن الرائي يفصل بين الصغير والكبير والطويل والقصير على طريقة واحدة ، ويفصل بين الألوان المختلفة على طريقة واحدة عند ارتفاع الموانع ، فيجب القضاء بإدراكهما .
فإذا صح أنا نراهما ، فلنا أن ننظر الوجه الّذي لكونهما عليه تصح رؤيتهما ، وقد علمنا أنا نفصل بالرؤية بين الألوان المختلفة وبين أحوال الأجسام في العظم والصغر ، فيجب أن تكون الرؤية متعلقة بهما على ما يختصان به في جنسهما .
فلو كنا ندركهما لوجودهما لم نفصل بين المختلف من الألوان ، ولا صح التوصل بالإدراك إلى تماثل المتماثل ، واختلاف المختلف منها ، وفي ذلك دلالة على أنا ندركها لما هي عليه في نفسها . ولذلك يحصل لنا عند الإدراك العلم بما عليه الجوهر من التحيز ، والألوان من الهيئة المخصوصة ، ويكون العلم بذلك أجلى من العلم بسائر أحواله .
وإنما نعلم وجود الجوهر والألوان عند العلم بما هما عليه من الصفة التي يتناولها الإدراك ، لأن الإدراك يتعلق بهما لوجودهما ، لأنه لو تعلق بهما لاختصاصهما بالوجود لوجب أن نرى كل ما شاركهما في الوجود . ألا ترى أنا لما رأينا الجوهر من حيث كان جوهرا ، والسواد من حيث كان سوادا ، رأينا كل ما شاركهما في هذه الصفة ؟ لأن من حق الإدراك أن يشيع في كل ما يختص بالصفة التي يتناولها الإدراك ،