تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
فكان يجب لو رأينا الجوهر من حيث كان موجودا أن نرى كل موجود ، فكان يجب أن ندرك الأشياء / كلها بالحاسة الواحدة لاشتراكها أجمع في الوجود . وقد بينا من قبل أن القول بأنها تدرك ، من حيث كانت موجودة فقط ، لا يصح ، لأن ما أوجب إدراكها من حيث كانت موجودة يوجب إدراكها من حيث كانت متحيزة ؛ لأنه ليس للوجود في هذا الباب من الاختصاص ما ليس للتحيز ، وللتحيز من الاختصاص ما ليس للوجود . وبينا أن القول بأنها تدرك من حيث كانت متحيزة يسلم ويصح والقول بأنها تدرك من حيث كانت موجودة لا يصح . فإن قيل : إذا كنتم تدركون الجوهر لما يختص به في نفسه فيجب أن لا يصح منكم أن تروا ما خالفه ، لأن كل حكم يجب للشئ لما هو عليه في ذاته فيجب أن يختص به ذلك الجنس دون ما خالفه ، كقولكم في كون الجوهر متحيزا ، واختصاص السواد عند وجوده بما هو عليه من الهيئة ، وهذا يوجب أن تستحيل منكم رؤية الأشياء المختلفة ، وفساد ذلك يقتضي لفساد ما ذكرتم . قيل له : إن ما يختص به الجوهر لما هو عليه في نفسه لا يصح أن يشركه فيه ما يخالفه ، وكذلك القول في سائر الأجناس ، وليس شمول الإدراك لها من هذا بسبيل ، لأن ذلك حكم يرجع إلى كون المدرك مدركا لها لا إليها ، وإن كان لا يدركها إلا لما يختص به ، فصار إدراك الأشياء بمنزلة حلول الأشياء في الجوهر في أنه وإن صح لما يختص به ، فلا يمتنع حلول المختلف والمتماثل منه ، وجرى مجرى مضادة الشيء لضده أن لا يمتنع اشتراك الأشياء المختلفة فيه ، وإن صح ذلك فيه لما هو عليه في ذاته ، فقد صح أن الأحكام قد ترجع إلى ما عليه الشيء في نفسه ، ويصح أن تشترك فيها الأجناس المختلفة ، فلا يمتنع مثله في الإدراك والرؤية / .