فصل في أن الرائي إنما يرى ما يراه لكونه على صفة ، وما يتصل بذلك
اعلم أن الرائي لا يرى الشيء إلا لاختصاصه بصفة من الصفات متى كان عليها رآه ، وإذا لم يكن عليها لم يره . ولذلك لا يرى المعدوم في حال عدمه ويرى الموجود . ولذلك لا يرى إلا بعض الأجناس دون بعض ، ولا يدرك بسائر الحواس إلا أشياء مخصوصة دون غيرها . ولذلك قلنا أن الإدراك في الاختصاص يخالف / العلم الّذي من حقه أن يتعلق بسائر الأشياء على سائر الوجوه التي يحصل عليها ، وأجريناه مجرى القدرة والآلة في أنه يختص بأن يتعلق ببعض الأشياء دون بعض كتعلقهما . يبين ذلك أن من حق المدرك للشئ أن يعلمه على الوجه الّذي أدركه ، وعلى ما يتعلق بذلك الوجه ، فلو لم يتعلق بالشيء ، على وجه مخصوص لم يجب أن يحصل له العلم بالمدرك على وجه مخصوص ، ولا كان بأن يعلمه على وجه أولى من أن يعلمه على وجه آخر ، ولا كان الإدراك يختص بأن يصير طريقا للعلم بالمدركات على وجه دون وجه ، وكان لا يختص كل واحد من هذه الحواس بإدراك شيء دون شيء ، فصح بجميع ذلك ما بيناه .
ولا يصح أن يقال إن الرائي يرى الشيء من حيث كان ذاتا ، لأنه كان يجب أن يرى جميع الذوات ، وكان يجب أن لا يحصل له إلا العلم بأن المدرك ذات ، وكان لا فصل بالإدراك بين الشيء وغيره ، ولا يشتبه عليه المدرك بنظيره .