وأما راكب السفينة فإنما يخيل إليه أن الشط يتحرك في خلاف جهته ؛ لأن الشعاع الّذي هو من تمام آلته ينعكس على بعضه بعد انعكاسه عن غيره من أبعاضه ، فيتخيل إليه بحركة في خلاف جهة سير السفينة . وإنما يخيل إليه أن ما بعد عن الشط يتحرك في جهة سير السفينة لوقوع الشعاع عليه بعد وقوعه على ما قرب من الشط ، وانعكاسه عنه بعد انعكاسه عما قرب من الشط ، فيتخيل إليه أنه سائر معه ؛ وأنه يتحرك في خلاف الجهة التي يتحرك إليها ما قرب من الشط . وإنما لم يتخيل إليه أن ما بعد من الشط يتحرك في خلاف جهة حركة السفينة إذا لم ير ما قرب من الشط لأنه لا يقع عليه الشعاع بعد وقوعه على ما يظنه متحركا في خلاف جهة سير السفينة ، ولا ينعكس بعد انعكاسه عنه ، ولذلك يتخيل إليه أن الكواكب سائرة في جهة سيره إذا كان هناك غيم يراه ، لأن الشعاع يقع على الكواكب بعد وقوعه على الغيم ، وينعكس على الوجه الّذي ذكرناه ، ويتخيل إليه أن الكواكب سائرة في جهته . وإذا لم يكن هناك غيم لم يتخيل ذلك ، وإنما يتخيل إليه القمر كأنه سائر إلى الغيم ، لأن الغيم عظيم لا يدرك أقطاره ، فيتبين له إخلاؤه لمكان كان شاغلا له ، فلا يتبين حركته في الجهة / التي يتحرك فيها ، ويدرك أقطار القمر ، فيتبين سيره وكسفه ، فيتخيل إليه لأجل ذلك أنه المتحرك نحو الغيم .
وقد بينا ما له يرى قرص الشمس عند طلوعها وغروبها أعظم مما يراه عند ارتفاعها ، وما له يرى السراج عظيما إذا بعد والجسم الصغير في الضباب عظيما .
فأما ماله يرى العظيم صغيرا إذا بعد فالعلة فيه صغر زاوية الشعاع ، لأنه إذا بعد المرئى اعتمد الرائي زاوية الشعاع فصل اعتماد فتنقبض ويدق لذلك ، كما إذا أراد الإنسان أن يثب اعتمد واجتمع فصل اجتماع بحسب الموضع الّذي يثب فيه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 76
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٦