أحدهما قريب وهو الّذي يراه بالعين السليمة ، والآخر بعيد وهو الّذي يراه بالعين الأخرى .
وإن كان المدرك قمرا واحدا ، وإنما يرى في الماء قمرا ، وفي السماء آخر إذا كان القمر طالعا ، لأن من حق الماء أن يعكس الشعاع إلى القمر لصقالته فيراه ، وينعكس الشعاع إلى ما قابله فيتخيل إليه أنه رأى قمرين ، وإن لم ير إلا واحدا ، فللعارض الّذي ذكرناه في الشعاع / ما يتخيل إليه ذلك ، وإلا فالمدرك هو قمر واحد .
وإنما يرى وجهه في المرآة في غير المكان الّذي هو فيه لأن الشعاع ينعكس من المرآة إلى ما قابلها فيراه ، وتصير المرآة كأنها عينه ، وما قابلها كأنه مقابل لعينه ، فلذلك يتخيل إليه من حاله ما ذكرناه .
وإنما يرى نفسه منكسا إذا اطلع في الماء ، لأن الشعاع ينعكس عن الماء إلى ما علا منه فيراه أولا ، ثم يرى ما سفل منه بعد ذلك حيث انفصال الشعاع إليه ، فيتخيل إليه أنه منكس .
وإنما يرى السراب فيظنه ماء ، لأن الشعاع إذا وقع على تلك المواضع التي فيها لمعان اضطرب وتردد لاستوائها ، ولون الشعاع من لون الماء ، فيتخيل إليه عند ذلك أنه ماء .
وإنما يرى المردى إذا غاص في الماء ، واعتمد الملاح عليه ، كأنه منكسر لأن الماء إذا اضطرب ووقع الشعاع على بعضه بعد وقوعه على بعض ، واختلفت مواقعه تخيل إلى الرائي من حاله تباعد بعضه من بعض ، فيتخيل لذلك إليه أنه منكسر .
وأما رؤية الجسم من بعيد دون لونه ، فالذي أجاب به شيخنا أبو هاشم
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 74
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٧٤