تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
أما ما ذكره من أمر وجدان الصفراوي العسل مرا ، فذلك لأنه يدرك ما يجاوره من المرة ولا يميزه من العسل ، فيظنه مرا ، وذلك لا يخرجه من أن يعلم الفصل بين الطعوم ، ولذلك يفصل بين الطعوم متى لم تكن به آفة على طريقة واحدة . ومن في فيه مرة لا يفصل بين المختلف فيه لمعنى يرجع إليه . ولذلك تسكن نفس الواحد منا إلى ما يجده من الطعوم ، ويعلم أن العسل حلو في الحقيقة ، وإن صح أن يجده كالمر للعارض الّذي وصفناه . وأما إدراكه العنبة في الشراب أكبر مما هي عليه فلأنه أدركها مع غيرها على وجه طرآن الجملة جملة واحدة ، لأن أجزاء من الشراب الّذي في الكأس تجاورها ، ولا يقوى بصره على تمييزها من العنبة ، فيتخيل إليه أنها كبيرة ، كما يتخيل إلى الرائي للماء الّذي فيه الزعفران أن جميعه ملون بلون الزعفران من حيث لا يقوى بصره على / تمييز ذلك . وإنما يدرك الواحد منا القمر الواحد قمرين إذا غمز إحدى عينيه ، لأن عند غمزه لها ينفذ شعاع الناظر في غير جهة شعاع العين الأخرى ، فيظن ، لمعنى يرجع إلى شعاعه ، أن هناك قمرين ، ولذلك يتخيل إليه أن القمر الثاني كالمتحرك بحسب تحريكه لجفن العين عند الغمز . ولذلك لو ستر ما يقابل هذه العين من الشعاع لرأى القمر الواحد في الحقيقة من حيث سيرها الشعاع الّذي قد انفصل والّذي قد اتصل بالغمز من شعاع العين الأخرى ، وخرج من أن يكون نافذا على استقامة ، ولذلك تختلف مواقع القمر الثاني بحسب غمزه لجفن العين ، فهو في الحقيقة لم يدرك إلا ذلك القمر ، لكن لأمر يرجع إلى الشعاع النافذ يخيل إليه أن الّذي رآه بإحدى العينين غير الّذي رآه بالأخرى . ولا يبعد أن يقال إن العين بهذه الغمزة تضعف فيتخيل إلى الرائي بها القريب بعيدا ، فيتخيل إليه أنه رأى قمرين
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 73 | القاضي عبد الجبار الهمذاني