في قطر دوامة وأديرت دورا سريعا ، ولا يرى الكواكب نهارا مع طلوع الشمس ويراها إذا كان في بئر عميقة ، ولا يدرك الهباء « 1 » إذا كان في البيت وإن أدركه إذا قوى الشمس .
قيل له : إن المدرك للشئ يفصل بين حاله وقد علمه لسكون نفسه إلى ما اعتقده ، وبين حاله إذا التبس عليه . ولسنا نعول في كونه عالما بالمدرك على كونه مدركا له فقط ، لأنه كما يدرك ما يعلم فقد يدرك ما لا يعلم لعوارض .
لكنا نعول على ما يجده المدرك من سكون نفسه إلى ما أدركه ، كما نعول في الفصل بين الاعتقاد الحاصل عقيب النظر والدلالة ، والحاصل عقيب النظر في الشبهة بالوجه الّذي ذكرناه . ولا يجب إذا رأى الشيء ولم يعلمه إخراج الرؤية من أن تكون طريقا للعلم ، لأنه إنما لا يعلم ما يراه في بعض الأحوال لعارض معقول ، فإذا ارتفع ذلك وجب أن يكون عالما ، كما أن القادر قد يتعذر الفعل عليه لعارض ، ولا يخرجه ذلك من أن يصح الفعل منه لكونه قادرا إذا ارتفعت العوارض المعقولة .
وإذا اختبر الإنسان حال نفسه فيما يراه ، علم الفصل بين ما يعلمه من المرئيات وينويه ، وبين ما يلتبس الحال عليه . ألا ترى أن الواحد / منا متى كسر جفن إحدى عينيه ، فنفذ شعاعه في غير جهة شعاع العين الأخرى ، رأى القمر قمرين ، ويعلم في تلك الحال ثبوت قمر واحد ، وتسكن نفسه إليه ، ولا تسكن نفسه إلى الثاني ، والرؤية إذا حصلت مع ارتفاع الموانع وجب العلم به !
وما سأل عنه السائل فإنما لم يعلمه الرائي لعارض معقول نحن نذكره ونشير إلى الوجه فيه :
هامش
( 1 ) الهباء : الشيء المنبث الّذي نراه في البيت من ضوء الشمس ، والهباء أيضا دقاق التراب .