فصل في أن الرائي منا للشئ يجب كونه عالما به إذا ارتفع اللبس
اعلم أن الإدراك لا يتعلق بالشيء إلا على ما هو به ، ولذلك صار طريقا للعلم ، ولولا أن ذلك حاله لم يصح كونه طريقا له ، كما لا يصح لكون / ما ليس بدليل طريقا للعلم كالدليل . ولذلك قلنا إن الخبر الصدق يصح أن يكون طريقا للعلم ، وأن الكذب لا يصح ذلك فيه .
ولا يمتنع أن يكون الإدراك طريقا للعلم ، وإن كان يلتبس الحال على المدرك في بعض الأحوال فلا يحصل له العلم ، فليس في فقد العلم ، والحال هذه ، دلالة على أن الإدراك ليس بطريق له . والّذي يبين أنه طريق للعلم أنه إذا أدرك الشيء اعتقده على حد ما أدركه ، وسكنت نفسه إليه ، ويصير في معتقده على طريقة واحدة ، ويفزع في تبين الشيء إلى إدراكه بالحواس ، ولا يمكنه أن ينفى هذا الاعتقاد عن نفسه بالشبه ولا بالشكوك ، فثبت أنه طريق للعلم . وقد علم أن الفزع في الكلام إنما وقع إلى اللسان لأنه آلة في الكلام ، وكذلك في سائر الآلات .
فيجب أن يكون الفزع إلى الإدراك بالحواس للتبين بمنزلته في أنه إنما يفزع إليها لأنه طريق للعلم . فإذا صح ذلك ، وجب القضاء في كل شيء لا نعلمه مع زوال آلته أنه غير مدرك لنا . ويجب أن يعلم الإنسان من حاله أنه مدرك للشئ إذا أدركه ، فلا يصح أن يقال فيما لم يحصل بهذه الصفة إنه مرئى ، بل يجب أن نستدل بانتفاء العلم بكوننا رائين وبالمرئى على أنا لم نره .
فإن قيل : كيف يصح لكم ما ذكرتم في أن الإدراك لا يقع إلا على صحة ،