أبطل ذلك بأن قال : لو كان المعتبر ما ذكرته لوجب متى اتصل الشعاع بمكان الأعراض التي في المحل أن يراها أجمع ، ولا يكون بأن يرى اللون أولى من أن يرى الطعم لاتصال شعاعها بمحلهما على سواء . وهذا يبعد ؛ لأن الكلام إنما هو فيما قد بينت كونه مرئيا كيف يراه والطعم ليس بمرئى كاللون ، فلذلك لم نره إذا اتصل الشعاع بمحله كرؤيتنا اللون .
والّذي يعتمد عليه شيخنا أبو عبد اللّه في ذلك أن الشرط الّذي كان معه يرى الرائي بحاسته المرئيات كلها يجب أن لا يختلف . فلو كان إنما لا يرى لاتصال الشعاع به لما رأى العرض ، ولو كان يرى لاتصال الشعاع بمكانه لما رأى الجوهر . وفي علمنا برؤيته للأمرين دلالة على فساد هذا القول . وإنما وجب أن يكون شرط رؤية جميع المرئيات لا يختلف ، لأن من حق الحاسة إذا أدرك بها أن تكون كيفية إدراك ما يدرك بها لا تختلف . يبين ذلك سائر الحواس التي لها شروط ، لأن المعلوم من حالها أن ما يدرك بها يدرك على حد واحد ، فيجب أن يكون الشرط الّذي معه يرى الواحد منا المرئيات هو ما ذكرناه من حصول قاعدة الشعاع بحيث لا ساتر بينه وبين المرئى ، ولا ما يجرى مجرى الساتر . يبين ذلك أيضا أن ما هو من تمام الآلة مثل نفس الآلة . فإذا كانت هي الأصل / ، ولا يختلف حالها مع المدركات ، فكذلك ما هو من تمام الآلة يجب أن لا يختلف حاله مع جميع المدركات بها .
والقول في سائر الحواس كالقول في العين ، لأنه إنما يدرك بها متى حصل نفس الآلة ، بحيث ليس بينه وبين المدركات ساتر ، ولا ما يجرى مجراه ، وذلك نحو الإدراك لمسا وذوقا وشما : فأما حاسة السمع فإنه لا يعتبر فيها ذلك ، لأنه ليس من تمامها أن يكون بينها وبين محل الصوت اتصال أو ما يجرى مجراه من
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 67
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٦٧