شرطا في صحة الواحد منا رائيا : ولا تكون شرطا فيه تعالى ، وما يكون موجبا ومقتضيا لا يجوز أن يختص به بعض ما يحصل فيه دون بعض . ووجود المدرك وإن كان شرطا فمن حقه / أن يتبع في كل مدرك ، لأن ما كان شرطا في بعض المدركين لا يمتنع كونه شرطا في سائرهم وإن صح فيه الاختصاص فلما كان ما له صار وجود المدرك شرطا في بعض المدركين ، يقتضي كونه شرطا في سائرهم ، وجب القضاء به . ولما كانت الآلة إنما صارت تحتاج إلى استعمال محل حياته في الإدراك ، وجب تخصيصه بذلك دون القديم تعالى . فقد ثبت بهذه الوجوه أن المدرك منا لا يدرك بإدراك . والقول في سائر المدركات لا يختلف في هذا الباب ، فلذلك لم نفصل القول فيه .
ولسنا نقول إن الألم يكون ألما لمعنى في الحقيقة فيعترض بذلك على ما قدمناه ، وإنما نثبت معنى يدركه الألم مع نفور طبعه فيكون آلما به . وقد يكون ذلك المعنى حادثا ، ويكون باقيا ، ولا يجب إذا لم يثبت الإدراك أن لا يصح تعلق الشهوة بشيء لأنا نثبتها متعلقة بالمدرك الّذي إذا أدركه التذ به ، فلا ضرورة بنا إلى إثبات إدراك تتعلق الشهوة به مع صحة تعلقها بغيره .
وهذه الجملة تسقط ما حكى عن شيخنا أبى الهذيل رحمه اللّه أن الإدراك معنى ، ويجوز أن يكون البصر صحيحا والموانع مرتفعة ، ولا يخلقه اللّه تعالى ، فلا ندرك ما يحضر به ، ويسقط قول من قال إنه معنى ، وأن اللّه سبحانه لا بد أن يحدثه أو يحدث ضده وهو المعنى ، لأن المحل لا يخلو من الشيء وضده . وقد ذكر هذا القول شيخنا أبو علي رحمه اللّه ، وذهب إليه قديما ، قال : إن العمى نقص بنية العين . ولا ثبت للإدراك ضدا ، ويسقط بذلك ما ذهب إليه فألح فيه من أنه سبحانه يجوز أن لا يخلق الإدراك في عين الإنسان ولا في جسمه إذا حصل فيه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 55
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٥