واحد ، قيل له : إن رؤيته عندنا للشئ لما كان بالحاسة الصحيحة ، لم يمتنع أن لا يرى بها إلا إذا انفصل الشعاع منها على حد مخصوص ، فما تكمل به الحاسة يحصل في الحاضر دون الغائب ، فلذلك لم ير الغائب ورأى الحاضر ، كما يصح أن يولد فيما ماسه دون ما نأى عنه لصحة حصول الشرط في الحاضر دونه . وليس كذلك ما قالوه لأنهم أثبتوا علة موجبة لكونه رائيا ، فمتى كان المحل محتملا لها فيجب صحة وجودها حضر المرئى أم غاب .
وقد استدل شيخنا أبو هاشم رحمه اللّه على ذلك بأن قال : لو كان الرائي منا يرى برؤية كان لا يمتنع وجود الرؤية في عينه للمعدوم ، لأن المحل محتمل له ، وإن كان المرئى معدوما ، ومن حقه أن يتعلق بالمرئى على ما هو عليه لنفسه ، وذلك يحصل له في حال عدمه كحصوله في حال وجوده . وما ذكرناه أقوى لأنه لا يمكن أن يقال في الغائب إنه لم يحصل على الصفة التي يصح تعلق الرؤية بها ، ولكن ذلك في / المعدوم وأن يجرى في حال عدمه في أن الرؤية لا يصح تعلقها به من حيث لم تحصل له الصفة التي تجب له لما هو عليه في ذاته مجرى القدرة التي لا تتعلق بما قد وجد . وقد استدل رحمه اللّه على ذلك بأن قال : إذا ثبت أنه تعالى يدرك المدركات عند وجودها لكونه حيا ، ولا يحتاج في كونه مدركا إلى علة ، فكذلك الواحد منا كما أنه تعالى لما صح منه الفعل لكونه قادرا ، والمحكم منه لكونه عالما ، وجب مثله في الواحد منا وإن كنا نقدر بقدرة ، وهو تعالى يقدر لنفسه . فكذلك ندرك لكوننا أحياء كالقديم سبحانه ، وإن كان تعالى حيا لنفسه ، والواحد منا حيا بحياة تحله .
وليس لأحد أن يقول : إنكم حملتم حكم الشاهد على الغائب ، ولو طولبتم بالدلالة على أنه جل وعز مدرك لا بإدراك لم تجدوا السبيل إلى إثبات ذلك
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 53
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٣