إلا بأنه لو كان مدركا بإدراك لصح أن يوجد المدركات ، ولا يختار إحداث الإدراك ، فلا يكون مدركا . وهذا بعينه يستمر في الشاهد . فلا وجه لحمله على الغائب . قيل له : إن الحال في الغائب ظاهر لا شبهة فيه ، لأنه لا يصح أن يقال إنه يدرك لمعنى ويجب وجوده عند وجود المدركات ، لأنه لا وجه يصح أن يقال لأجله إنه يجب وجوده . وليس كذلك حال الشاهد ، لأنه يصح أن يتعلق فيه باحتمال المحل ، وبالتوليد على ما قدمناه ، فلظهور الأمر في الغائب لا يمتنع أن يحصل أصلا للشاهد . ولذلك قال شيخا أو على رحمه اللّه : / لو كان تعالى رائيا برؤية لصح مع وجود المرئيات أن لا يحدثها ، فلا يكون رائيا ، واعتمد على ذلك فيه تعالى ، وإن قال في الواحد منا إنه لا بد من وجود الرؤية في عينه لكونها محتملة لها ، ونحن وإن بنينا حكم الشاهد على حكم الغائب لقلة الشهرة في كونه جل وعز مدركا ، فالذي به نعلم أنه تعالى مدرك لا لمعنى ، هو الأصل الّذي قدمنا ذكره ، وهو المعتمد .
فإن قيل : إذا صح حاجتكم في رؤية الشيء إلى آلة ، مع استغناء القديم سبحانه عنها ، فهل صح حاجتكم إلى الرؤية ، وإن استغنى تعالى في كونه رائيا عنها ؟ قيل له : إنه تعالى إذا وجب كونه رائيا لكونه حيا فقد صار كونه حيا يوجب كونه رائيا إذا وجد المرئى . ولا يصح أن يوجب فيه ذلك ولا يوجب فينا . فلو قلنا إن الواحد منا يرى برؤية لخرج كونه حيا من أن يكون موجبا لكونه رائيا لأنه لا يصح كونه موجبا عن الرؤية ويكون كونه حيا مقتضيا له ، وذلك يوجب أن لا يكون كونه تعالى حيا موجبا لكونه رائيا .
وليس كذلك حال الآلة لأنها ليست بموجبة لكونه رائيا ؛ فإذا لم توجب ذلك ، لم يخل عادل الدليل عليه من أن كونه حيا يوجب كونه رائيا . ولا يمتنع أن تكونه الآلة
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 54
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٥٤